عن حياتنا التى تنعكس على زجاج نافذة
العدد 249 | 14 تشرين الثاني 2019
محمود عبد الدايم


صديقنا في هذه الحكاية، وسنمنحه لقبَ صديقٍ لأنه أكد لي من البداية أنه لا يريد أن يكون بطلًا.. لا يرى أنه يمتلك أية مقومات تجعله بطلًا في عيون الجميع، وفي مقدمتهم هو، لهذا أصر وألح وشدد على أن أمنحه لقبا آخر، واتفقنا على أن يكون صديقًا، بعدما كشف لي وهو يتجرع كأسه الأخير قبل أن يغادر دون إلقاء التحية، أنه لم يكن يومًا صديقًا لأحد.. حتى نفسه كان غريبًا عنها!

قبل 3 ساعات من شروعي في كتابة حكاية صديقي الجديد القديم هذا، كنت وحيدًا، مثله، ترافقني 3 مقاعد خاوية، وزجاجة نبيذ يتلألأ فيها الأحمر القاني بفحشٍ يناسب الكأس اللامع الذي وضعه الجرسون أمامي، متمنيًا لي ليلة هادئة وسعيدة..!

كأس أقل لمعانًا.. ودون أن يلقي جملته المعدنية فاقدة الحياة «شرفتنا يا باشا»، وضعه الجرسون على طاولة مقابلة لطاولتي.. ظننته في البداية أحد عمال المكان، فلا يمكن أن يُعامَل زبون بجفاء غريب مثل الذي رأيته في الثواني الماضية.. في الأربعين من عمره، قدرت سنواته من نظرته المنكسرة تلك، فالأربعون دومًا تكون أعوام الانكسار.. الندم.. والوحدة في غالبية الأوقات.

الأربعيني.. لم يكن قريب الشبه بي، وإن كُنا نتشارك نظرة الانكسار ذاتها، لكنه كان طويلًا بعض الشيء.. لونه يميل إلى الأسمر بحدة مقبولة وممتعة، أسود العينين.. معتدلتا السواد، لا يمتلك شاربًا فجًا كشارب أبي.. عروق ذراعه واضحة حادة بشكل مثير.. كان –وللمصادفة- متطابقًا مع من كنت أحلم أن أكونه يومًا.

بتجاهل أكبر تعامل الأربعيني مع وقاحة الجرسون، أزاح الكأس نصف اللامعة جانبًا.. منح الزجاجة قبلة طويلة قضى خلالها على منتصفها، ووضعها بهدوء يناسبه على الطاولة.. أصابعه أصابتها حمى الارتعاش بعد قُبلة الكُحل الطويلة، ففشل في إشعال سيجارته السابعة.. بنظرة خاطفة أحصيت 6 فلترات في منفضة السجائر الخشبية، فعرفت أنها الضحية السابعة، فلترات هادئة.. راقدة  بما يليق بمحارب أنهى معركته الأخيرة واستراح.

البارات.. داخلها تكون مساحة التعارف ممتدة، لا مكان هنا للصمت.. الجميع يأتون بحثًا عن غرباء يتحدثون إليهم في لحظات «نصف واعية».. يضحكون بكل ما يمتلكون من قوة تصلح للضحك.. ويبكون كما يجب أن يكون البكاء.. البارات.. أحسبها دومًا أرضا دافئة تصلح لزراعة حبوب الحكي.. الحزن.. والخيبة.

أخبرني أنه كان وحيدًا.. وأنه صاحب الرقم ثلاثة في عائلة أنجبت ستة أولاد، وأنثى وحيدة، ماتت في السابعة من عمرها بداء الحصبة.. برر وحدته، وهو يزيح الزجاجة الفارغة من أمامه، بأنه لم يكن شبيهًا بمن له إخوة، كان وحيدًا منذ اللحظة الأولى، منحته وحدته تلك خوفًا من كل الأشياء.. كان يخاف من الظلام.. الأدوار العليا.. الأماكن المغلقة.. الغرباء.. النساء دون العشرين، وفوق الخمسين.. الأحضان الدافئة.. الملامسة.. المداعبة.. كان يخاف من العالم.

تأملته بينما كان يلقي الفلتر السابع محترقًا حتى النهاية في منفضة السجائر.. عجوزًا إلى حد الكهولة كان.. لا تبرق عيناه بأي أمل.. ميتة كانت، لم تكن بالقطع تدعي الموت، الأصابع الخمسة المرتعشة، يائسة.. لا تحاول الخروج عن دائرة الطاولة.. حدود صاحبها، تكتفي بالارتعاش إلى حد ما، ثم تمسك بحدة لا تليق بـ«ضعفها» بالفلتر الثامن تتأمل شعلة لهب خرجت من «ولاعتي» محاولًا مد خط الحكي إلى أبعد مدى.

3 دقائق.. تركني خلالها وحيدًا على طاولته التي انتقلت إليها بدعوة غير صريحة من صاحبها.. الذهاب إلى الحمام يستغرق أكثر من الدقائق الثلاث، أفعلها أنا في خمس، لكنه لم يحتمل «الزنقة» ففعلها على نفسه، مكتفيًا بإزالة آثار العار بمنديل قطني مبلل، وجلس دون أن يحاول مداراة البقع الكبيرة التي تربعت بين فخذيه بوقاحة.

«أول مرة عملتها على نفسي، ما زلت أذكرها.. غضب أبي كثيرًا.. غير أن أمي منحتني ليلتها حكاية سعيدة.. وحُضنا أكثر دفئًا من بقية الأحضان التي توزعها على أشقائي.. ورقدت – محتضنة إياي- حتى الصباح.. لم أنم ليلتها.. لا تزال رائحة عرق أمي في أنفي.. لا تزال أصابعها الخمسة اللينة تعبث بشعر رأسي.. أغمضت ليلتها عينيّ.. شممت رائحة أمي.. احتفظت بها.. وتكورت جنينًا في حضنها ومن يومها لم أفلت من لعنة التكور هذه.»

«كنت وسيمًا جدًّا في عيني أمي.. وغبيًّا دميم الوجه في نظر البقية.. أخبرتني جدتي لأبي أنني لا أشبه أحدًا من العائلة.. ليلتها سألت أمي: أنا شبيه بمن يا أم؟!.. لم تفكر كثيرًا.. ضربت روحي بكف إجابتها.. وقالت : أنت شبيه بك.. يكفيك هذا روعة. أه.. كم جميلة كانت أمي.. وكم هي ملعونة كلمة (كانت). »

إنه الأربعاء.. الطاولات المهجورة منحتني وصديقي الأربعيني مساحة أكبر للحكي.. بلا تطفل من عشريني يحاول إثبات رجولته لفتاته.. وستيني يتذكر ما مضى.. وخمسينية تحاول اصطياد زبون يعاني من ضعف في النظر، يسدد فاتورتها، دون أن يطالبها بما لم تعد تملكه.

تركته بعد السيجارة التاسعة.. لم أستطع مواجهة نظراته أكثر من هذا.. منحت الجرسون حساب مشروباتي.. وجدته يقف إلى جواري.. ألقي مترنحًا بأموال في يد الجرسون.. كان حسابه كحسابي.

«صدفة لا أكثر».. تمتمت بها وأنا أعطي ظهري لباب المصعد.. نظرت في المرآة.. واجهني ظهره.. لم أدرك أنه يرافقني في رحلة النزول.. أظنه أصبح قصيرًا بعض الشيء.. اقترب من محاذاتي.. لحظتها تذكرت الجملة الغبية في زوايا المرايا «مقاسات وبُعد الصورة في المرآة غير حقيقية».. ابتسمت.

لاحقني في الممر المؤدي إلى الباب الخارجي.. اعتدت الخروج وحيدًا من أبواب البارات.. لهذا لم أعطه الاهتمام المناسب.. تغيرت هيئته كثيرًا.. أصبح منحنيًا بدرجة مخيفة وهو يتبع خطواتي.. أقدامه أصابها التواء غريب، لكنه يصر على ملاحقتي.. خطواته تتقارب.. أسمع وقع أنفاسه.. لاهثة كانت.. ملوثة برائحة الكحول.. وليت منه فرارًا بالقفز في أول تاكسي يقف أمامي.

غريب.. يبدو أنني لا أزال أسيرًا لتأثير الكحول.. رفيقي في الطاولة.. المصعد.. الممر.. ألمح وجهه منعكسًا على زجاج شباك التاكسي.. شاحبًا إلى درجة مخيفة كان.. ملامحه تتغير.. تتبدل.. في الإشارات المضيئة يصبح أكثر احمرارًا.. وفي الزوايا المظلمة يختفي.. ليعود بلون آخر فى الشوارع نصف المضيئة.. أصبح وجهه أكثر دموية والتاكسي يجتاز ميدان التحرير.. غير أنه سرعان ما اختفى مرة أخرى.. وعاد للظهور.. لم أقدر على تجاهله.. فتابعته مضطرًا… خمس دقائق وأصل.. لا مانع إذن من رؤيته.. «سينتهي الأمر قريبًا».. رددتها بين نفسي لأمنحها – وأمنحني- لحظات هدوء.

الآن.. أجلس أكتب قصته.. مجددًا.. وجهه يطالعني منعكسًا على زجاج النافذة أمامي، لكنه هذه المرة كان طيبًا.. أكثر طيبة.. غير منتبه لوجودي.. منحنيًا على جهاز كمبيوتر قريب الشبه بالجهاز الذي أنقر على أزراره كلمات قصته.. ممسكًا بسيجارته العاشرة بيد مرتعشة لا تزال تمتلك القوة لخنق الفلتر الأصفر.. يبدو أنه هو الآخر يكتب قصتي.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب وصحافي من مصر.