عبد الرحمن بدوي: نشيد الـغـريب
العدد 231 | 20 أيار 2018
أحمد الزناتي


يـصدّر د. عبد الرحمن بدوي تحقيقه لمخطوط كتاب “الإشارات الإلهية” لأبي حيّان التوحيديّ، بعبارة يورِدها على لسان “فرنتس كَفكا” (كذا يرد الاسم في نصّ بدوي)، تقول: “الكتابة ضربٌ من الصلاة”. التصدير مؤرّخ في 18 إبريل 1949، لا يشرح بدوي العبارة ولا يفسّرها إلا بعد أربعين صفحة، وكأنه يَحـبــكُ قصةً قصيرة، ونقطة النور آخر النفق. يصف بدوي كافكا بالكلمات التالية: “هذا المسلول الشريد ينتسب إلى شعبٍ مستأصلٍ شارد، عليه النعمة والنقمة أينما حلَّ، وإن ادعى لنفسه أنّه شعب الله المختار، إلا أن يكون مختارًا للشقاء وإشاعة الشر بين الناس وإهدار القيم النبيلة”، التحيّز واضحٌ، وآثار شيخه الأكبر بارزة، وربما كان ما يزال مرتديًا ربطة العنق السوداء. من المؤكّد أن بدوي كان معجبًا بأدب كافكا، وإلا كيف أشار إليه ونقل عنه؟

فما عرفه عبد الرحمن بدوي موجود، وما لم يعرفه لم ينوجد من الأساس: هراء، قمامة إلى البحر، وكأنّ وجود الأشياء مرهون بمعرفته بها. حاول بدوي تحليل شخصية كافكا من خلال الظروف الأسرية والشخصية التي أثّرتْ عليه وصاغت شخصيته، ومن ثمّ أدبه.

يلتفتُ إلى التوحيدي ويغرف له قدرًا: “وصاحبنا لا نعرفُ له أصلًا، إنما هو من أولئك الموالي الذين اختلطت فيهم الدماء والعناصر فكوّنتْ مركّـبًا غريبًا”. تستمرّ مقارنة الظروف الاجتماعية للتوحيدي وكافكا، وكأنه لا يقدمُ تحقيقَ أحد المخطوطات وإنما يكتبُ سيرة ذاتيةً مقنعة، وربما استشرافًا لما سيحدث له شخصيًا، فكلاهما نشأ في أسرة  تشتغل بالتجارة (مثل والد بدوي)، وكلاهما كتب الرسائل (مثل بدوي في رسائله إلى سلوى، الحبيبة المجهولة في كتاب الحـور والـنـور، متأثرًا برسائل التوحيدي وبرسائل كافكا طبعًا)،

وكلاهما عانى اغترابًا وجوديًّا عن الناس والمجتمع ولزمَ العزلة حتى نهاية حياته (اغترب بدوي عن مصر منذ أواخر الستينيات حتى وفاته)، وعلى مدار خمس وثلاثين صفحة يراوح بندول بدوي بين التوحيدي وكافكا، منتهيًا إلى رغبة كليهما في إحراق أعماله قبل وفاته لقلّة جدواها عند التوحيدي، ولعدم اكتمالها على النحو الذي كان يريده كافكا، الظروف مختلفة والدافع  واحد: الغرور وطلب الكمال. كان كافكا مغرورًا فطلبَ إحراقَ أعماله  ليداري حسرته من عدم بلوغِها درجة الكمال التي كان يـنــشدها، وكان التوحيدي أشدّ غرورًا لما أحرق أعماله، وقال: كل كتابةٍ حادثٌ فانٍ زائل، والكاتب الحرّ هو الذي لا تقيده كلماته ولا تصبح عليه كلًّا ولا غلًّا”.

هل سار بدوي على الدرب نفسه بعد إدراكه استحالة استكمال مشروعه في نهاية الأربعينيات؟ نعرف أنّ بدوي قد طلّقَ مشروعه الفلسفي/الإبداعي الطموح، الذي كان قد بدأه بالزمان الوجودي وهي رسالته للدكتوراه، ثمّ أعماله الإبداعية مرآة نفسي، ونشيد الغريب، وهموم الشباب، ليلقي نفسه في أحضان تحقيق مخطوطات التراث الإسلامي والترجمة عن كل لغات العالم الحيّة والميّتة. هل كان ذلك إحــراقًـا لذاته بالنفخ فيها وتضخيمها؟ هل كان امتناعه عن تطوير مشروعه يأسًا وجوديًا آخر، يأسًا حاول مداراته في الترجمة وفي تحقيق المخطوطات؟

***

 

يذهب بدوي في ختام مقدمة تحقيق مخطوط “الإشارات الإلهية” إلى أنّ هذه الغُربة الوجودية التي عاناها الأديبان كانت السبب في رغبة كليهما في حرق أعمالهما، مُفسّرًا هذه الرغبة بأنها سعي باطني نحو الكمال، فيورد نصًا على لسان التوحيديّ يقول فيه: “العلم يُراد للعمل، والعمل يُراد للنجاة، فإن قصر العلم عن العمل، كان العلم كَلاً على العالم، وصار في رقبة صاحبه غلًا”. أما عند كافكا فكانت الرغبة في حرق أعماله نظرًا لعدم اكتمالها ونقص نضوجها الفنيّ، ولكنهما يتفقّان أنّ الكاتب عليه أن يكون زاهدًا، عازفًا عن غرور الشهرة وألقها.

ينهي بدوي تصدير المخطوط بعبارة دالّة: “الكتابة زفرة، أنتَ عابرٌ ووجودكَ عابرٌ، فاجعلْ كلّ إنتاجكَ عابرًا. عبّر عن خواطركَ وإحساسكَ، ثم استودع هذه العبارة زجاجة تلقيها في البحر المحيط، ودعْ منْ أراد على مدى الأجيال كي يسعى للظفر بها، الكتابة ضربٌ من الصلاة، وخير الصلاة ما اتجه إلى المجهول أبدًا، وصار سرًا أبدًا، فإذا بدا السرُّ أو عُلِمَ المجهول، فأحرِقْ ما كتبتَ وقُل مع العارف الداراني: “والله ما أحرقتُكِ حتى كدتُ أحترقُ بكِ””.

إلا أنّ بدوي كان أشدّ غرورًا، فلم يحرق أيًا من أعماله، بل أحرق ذاته في التحقيق وفي الترجمة وفي الجري وراء المال، وفي معاداة الجميع.

***

في يوليو سنة 1999 قطعتُ رحلة بالقطار مدّتها أربع ساعات إلى باريس، لزيارة فندق لوتسيا حيث يُقيم عبد الرحمن بدوي. كان أكبر همي إلقاء نظرةٍ على الفيلسوف، لا إيقافه ولا الكلام معه، وهل كان بدوي ليلتفتَ إلى تلميذٍ في العشرين؟ بقيت أحوم حول المكان ساعتيْن، لكنه لم يظهر، فاضطررتُ إلى المغادرة عائدًا في اليوم نفسه، قابضًا على تذكرة نهاية الأسبوع الطلّابية المخفضة.

في ديسمبر 2001، يقع بدوي في أحد شوارع باريس غريبًا، فيُنقل بعدها لتلقّى العلاج  لمدة ستة شهور مجانًا في معهد ناصر. وفي 25 يوليو 2002، أي بعد ذكرى الثورة بيوميْن، تفيض روح عبد الرحمن بدوي، ولا يجد جسده سوى تراب الوطن ليضّمه ضمّة أخيرة وطويلة.

*****

خاص بأوكسجين

 


روائي وقاص من مصر. من رواياته "البساط الفيروزي: في ذكر ما جرى ليونس السمّان"" 2017، و""ماضي"" 2017."