“صراع العروش” والخوف من الثورة والنسوية
العدد 245 | 08 تموز 2019
سلافوي جيجيك


إذن سادت العدالة – ولكن أي عدالة؟

أثار الموسم الأخير من “صراع العروش” غضب الرأي العام وبلغ الغضب أوجه بتقديم عريضة (وقّعها ما يقرب من مليون مشاهد غاضب) تطالب بإلغاء الموسم بأكمله وإعادة تصوير موسم جديد. ضراوة النقاش هي في حد ذاتها دليل على ارتفاع المخاطر الإيديولوجية المطروحة.

تمركزت موجة الاستياء حول نقطتين: السيناريو السيء (تم تبسيط حبكة الحكاية المتشابكة تحت ضغط إنهاء المسلسل بسرعة)، والدوافع النفسية الخاطئة (لم يحمل تطور شخصية دينيرس المبررات الكافية لتحولها إلى “الملكة المجنونة”)، إلخ.

وفي موجة النقاش المحتدم برز أحد الأصوات الذكية القليلة وهو للكاتب ستيفن كينغ الذي أشار إلى أن الاستياء لم ينجم عن النهاية السيئة بل عن حقيقة وجود نهاية. ففي هكذا مسلسلات تمتد لحقبة من الزمن ويمكن أن تستمر من حيث المبدأ إلى ما لا نهاية، تصبح فكرة إنهاء القصة أمراً غير محتمل. صحيح أن منطقاً غريباً سيطر على الحل السريع لعقدة المسلسل، وهو منطق لم يتوقف عند انتهاك التطورات النفسية المنطقية بل وانتهك الافتراضات السردية المنطقية لمسلسل تلفزيوني، والتي بدت لي أكثر واقعية من المؤامرات القوطية الميلودرامية المعتادة.

عرض الموسم الثامن ثلاثة صراعات متتالية. الأول هو بين الإنسانية و”الآخرين” الوحشيين (جيش الليل من الشمال بقيادة ملك الليل)؛ بين المجموعتين الرئيسيتين من البشر (عائلة لانستر الشريرة والتحالف ضدها بقيادة دينيرس وعائلة ستارك)؛ والصراع الداخلي بين دينيرس وعائلة ستارك. ولهذا فإن المعارك في الموسم الثامن تتبع طريقاً منطقياً يمضي من معارضة خارجية إلى انقسام داخلي: هزيمة جيش الليل الوحشي، وهزيمة عائلة لانيستر وتدمير “كينغز لاندينغ؛ الصراع الأخير بين عائلة ستارك ودينيرس – أو بشكل جوهري بين النبلاء “الصالحين” التقليديين (عائلة ستارك) الذين يقومون بحماية رعاياهم بأمانة من الطغاة الأشرار، ودينيريس التي تمثل نوعاً جديداً من القادة الأقوياء، البونابارتية التقدمية التي تعمل لصالح المحرومين. وبالتالي، فإن المخاطر في الصراع النهائي هي: هل يجب أن تكون الثورة ضد الطغيان مجرد معركة من أجل عودة الشكل القديم الأكثر لطفاً من التسلسل الهرمي نفسه، أم يجب أن تتطور إلى البحث عن نظام جديد مطلوب؟ وتأتي النهاية لتجمع بين رفض التغيير الجذري، مع الفكرة القديمة المناهضة للنسوية في العمل لفاغنر. فبالنسبة لفاغنر، لا يوجد شيء مثير للاشمئزاز أكثر من امرأة تتدخل في الحياة السياسية، مدفوعة بالرغبة في السلطة. فعلى عكس طموح الرجل، تريد المرأة السلطة من أجل تعزيز مصالحها الأسرية الضيقة، أو الأسوأ من ذلك، نزواتها الشخصية، غير قادرة على إدراك البعد العالمي لسياسات الدولة.

النسوية نفسها التي تمثل قوة الحب الوقائي داخل دائرة الحياة العائلية المغلقة، تتحول إلى جنون فاحش عند نشرها على مستوى الشؤون العامة وشؤون الدولة. أستعيد النقطة الأكثر انحطاطاً في حوار “صراع العروش” عندما أخبرت دينيرس جون بأنه ما لم يستطع أن يحبها كملكة، فينبغي أن يسود الخوف – الفكرة المبتذلة المخجلة عن امرأة غير راضية جنسياً تنفجر إلى غضب مدمر. ولكن – دعونا نواجه الحقيقة المرة الآن – ماذا عن التفجيرات القاتلة التي ارتكبتها دينيريس؟ هل يمكن تبرير القتل الوحشي لآلاف الأشخاص العاديين في “كينغز لاندينغ” كخطوة ضرورية نحو الحرية العالمية؟ في هذه المرحلة، يجب أن نتذكر أن السيناريو قد كتبه رجلان. أن تصبح دينيرس الملكة المجنونة هو خيال ذكوري بحت، لذلك كان النقاد على حق عندما أشاروا إلى أن نزوعها إلى الجنون ليس له ما يبرره من الناحية النفسية. وجه دينيرس المليء بتعابير الحنق والغضب المجنون وهي تحلّق ممتطية تنيناً وتحرق البشر والحجر يعبّر عن أيديولوجية بطريركية تخشى من امرأة سياسية قوية.

يناسب المصير النهائي للنساء الرائدات في صراع العروش هذ النسق. حتى لو فازت دينيرس الصالحة ودُمّرت سيريسي الشريرة، فإن السلطة تفسدها. تختفي آريا (التي أنقذتهم جميعاً بقتلها ملك الليل بمفردها)، وتبحر من الغرب إلى الغرب (كما لو كانت لتستعمر أمريكا). الوحيدة التي بقيت (بصفتها ملكة مملكة الشمال المتمتعة بالحكم الذاتي) هي سانسا، وهي نوع من النساء المحبوبات من رأسمالية اليوم: فهي تجمع بين النعومة الأنثوية والتفهم مع قدر جيد من المكيدة، وبالتالي تتناسب تماماً مع علاقات القوى الجديدة. إن تهميش النساء هذا هو لحظة مهمة في الدرس الليبرالي المحافظ العام في النهاية: الثورات يجب أن تخطئ، فهي تجلب الطغيان الجديد، أو، كما قالها جون لدينيرس: “الأشخاص الذين يتبعونك يعلمون أنك قمت بشيء مستحيل. ربما يدفعهم ذلك للاعتقاد أن بإمكانك تحقيق أشياء أخرى مستحيلة: بناء عالم مختلف عن العالم القذر الذي عرفوه دائماً. لكنك إن كنت تستخدمين التنين لإذابة القلاع وحرق المدن، فأنت لست مختلفة.” وبالتالي، فإن جون يَقتل من الحب (ينقذ المرأة الملعونة من نفسها، كما تقول الصيغة الشوفينية القديمة) الوكيل الاجتماعي الوحيد في المسلسل الذي ناضل حقاً من أجل شيء جديد، من أجل عالم جديد يضع حداً للمظالم القديمة.

إذن سادت العدالة – ولكن أي نوع من العدالة؟ الملك الجديد هو بران: إنه يعاني من الشلل، ولا يعرف شيئاً، ولا يريد شيئاً – مع استحضار الحكمة الباطلة بأن أفضل الحكام هم أولئك الذين لا يريدون السلطة. إن الضحك الرافض الذي ينبعث عن اقتراح أحد أفراد النخبة الجديدة بالقيام باختيار أكثر ديمقراطية للملك يخبرنا بكل شيء. ولا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن أولئك الذين آمنوا بدينيرس حتى النهاية كانوا أكثر تنوعاً – فقائدها العسكري أسود – في حين أن الحكام الجدد هم من البيض الشماليين بشكل واضح. يتم القضاء على الملكة الراديكالية التي أرادت المزيد من الحرية للجميع بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو عرقهم، وتعود الأمور إلى طبيعتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الترجمة الحرفية والكاملة لعنوان المقال الأصلي: “صراع العروش” تحوّل إلى مخاوف من الثورة والنسوية السياسية ولم يتركنا في وضع أفضل مما سبقه.

عن صحيفة “الاندبنديت” – 21 أيار/ مايو 2019