بيت الرعب
العدد 280 | 21 تشرين الأول 2023
فكري عمر


مِن الدهشة تَجمَّد في مكانه!

 مع توقف السيارة واجه العفريت ذو العين الحمراء الوحيدة في منتصف الجبهة، والقرنين الأسودين على جانبي رأسه الزرقاء. إنها صدمة رؤيته لمرة ثانية بعد عشرين عاماً. في الأولى كان صبياً تركض به عربة قطار صغيرة في ممرٍ مُظلم وباردٍ، والآن يقف كهلاً على جانب الطريق وفي شمس يونيو الجهنمية، وسرُّ مارده المُخيف كسرته الأيام، فألقى كل أسلحته، وتهاوى على الأرض في هدوء كعجوز بلا قوة ولا حيلة، تناثرت عظام جمجمته الإسمنتية أسفل قدميه، وتمزقت أكتافه من أثر الارتطام، فبانت الدعامات الصلبة خلف جسده، كما سقطت أنيابه وحوافره وانثنت قرونه. لم يعد ثمَّ تهديد بهدير مرعب، ولا ضربات خفيه بأيادٍ كالمطارق، ولا نظرة متوعدة تسحب الدم من العروق، وتمرق في الليل إلى الأحلام، فتحيلها إلى كوابيس.

كان رفاق العفريت القديم أيضاً مكومين وراء السور الحديدي، وبين أشجار النخيل الباسقة، والبقية مكدسون داخل قفص معدني، يرمون نظرة كسيرة إلى المارة دون اعتداد بماضيهم المجيد. “أهكذا تسحق شمس النهار كل شيء؟!” سأل نفسه وهو يهبط من سيارة الأجرة، قدماه مثقلتان من التعب، وعيناه مصوبتان إلى صندوق النقل المكشوف وهو يُحزِّم بالحبال السميكة وحوش بيت الرعب المكسورة.

على جانب الإسفلت مجموعة من المحلات الخشبية تأكل واجهاتها حرم الطريق الزراعي، فيما تمتد أمامها على الأرض المرصوفة بالإسمنت أرجل الكراسي البلاستيكية كدعوة جذابة للجلوس، وتمديد الأرجل لمداواة أثر الجلسة المُتعبة داخل السيارة. كان الرُكَّاب بمنتصف المسافة تقريبًا بين المنصورة والقاهرة. ربما اختار السائق هذا المكان خصيصًا لألفته بصاحبته فيما بدا من تلك الابتسامات، والجمل القصيرة الموحية. جميعهم غرباء يجمعهم مكان غريب، يلتقون صدفة ويرحلون بعد ذلك في اتجاهات شتى. حتى الذين أتوا أزواجًا وحرصوا على اتخاذ مقاعد إلى جوار بعضهم البعض لم يرهم يتحدثون كثيرًا. يجذبهم الطريق الطويل إلى الوقوع رغمًا عنهم بين براثن الذكرى، أو فخاخ الأمل فيما هم مُقبلون عليه، فتنطلق خيالاتهم إلى أزمنة وأمكنة مختلفة.

تبقت ساعة ونصف للوصول إذا لم يكن هناك ما يعكر الصفو، ويهدئ السرعة كحادث عارض من الحوادث التي لا يخلو منها يوم. يرى ذلك أمامه أحيانًا، ويطالعه أحيانًا أخرى بنشرات الأخبار. انهيارات مفاجئة في الطرق، انهمار ماء السماء بشكل كثيف وغير مألوف، أو فقدان رأس سائق مُخدَّر القدرة على تقدير مسافات العبور، أو مزاجه الذي ينقلب نتيجة عركة مع زبون يرفض الحجج التي يؤلفها السائقون؛ للحصول على أكثر من تعريفة الأجرة المحددة.

على مسافة قليلة بوابات مفتوحة لحديقة النخيل، تعلو يافطتها الملونة فوق أعمدة برونزية، تعلن عن بدء موسم جديد من الحفلات المنوعة، والألعاب، ومفاجآت بيت الرعب. في مساحة مفتوحة أخشاب، و”كراكيب” منثورة، وعربة النصف نقل، وبضعة عمال أتوا إلى الكافتيريا التي هبط عندها، ليشربوا الشاي، وسيجارة، وقليل من الاسترخاء.

فك قدماه بعد أن تلقى صدمة الرؤية الأولى، دار كالمجذوب حول وحوش الطفولة، وعفاريتها. ربما هم ذاهبون إلى حيث تُرمم جلودهم بالإسمنت والجبس، وعيونهم بالزجاج المُلوَّن، وقرونهم بالعاج.

سأل السائق والعمال عنها بجرأة لم يعتدها في الحديث مع من لا يعرفهم بعد، أخبره سائق النقل بوجهه الطفولي الضاحك أنها خرجت إلى المعاش المبكر. أحد العمال قال إنها في الطريق إلى التكهين، والفرم لصنع غيرها.

أَمَّن على كلامهم مُشجعاً على المواصلة. كانوا يناوشون بعضهم بعضًا قبل أن يحاورهم. قال العامل الآخر: “الدنيا تطورت يا أستاذ، الآن توجد نظارات ثلاثية الأبعاد، شاشات العرض، المجسمات. الأجانب العفاريت عملوا شغل رعب جديد يجعل الأطفال يتبولون على أنفسهم، ويغمى عليه قبل أن يخرج من الباب الثاني”.

ضحكوا مرة أخرى بمرح..

تذكر تلك الليلة البعيدة حين أُغمى عليه. لم يتحمل الطفل الذى كانه تلك الجرعة من الرعب. الظلام نفسه لم يكن يبرق بالضوء فجأة إلا على فاجعة جديدة، ثم تنطفئ الإضاءة في اللحظة التي يتلقى فيها صفعة خفيفة، لكنها مريعة على رأسه أو قفاه، أو لمسة بالعصا على ظهره تجعله ينط من مكانه في القاطرة الحديدية التي تنزلق إلى زوايا جانبية بها وحوش مختلفة الأحجام والأشكال.

أكان يمكن أن يُغمض عينيه حتى ينجو؟ لم تكن تلك الطريقة صالحة في ذلك الوقت، فلا يستطيع أن يفعل ذلك؛ كي لا يسقط من القطار، ويظل وحده في غابة من وحوش، وأصوات تزلزل كيانه، ولا يدري باللحظة التي واجه فيها هيكلاً عظيماً مقبلاً عليه. امتزجت صرخته بصرخة الوحش، فانفصل حينها عن الوجود من حوله. حين فتح عينيه وجد نفسه محاصرًا بوجوه كثيرة خائفة تهزه، وصوت أمه وأبيه يتوسلان إليه أن يعود إليهما.

يومها لم يستطعم المشروبات التي أتوا بها من أجله، ولا السندويتشات التي لم يكمل تناولها، وفى الليل حين تذكر كل شيء مرة واحدة تلاشت أسرته من أمامه، اعتمت الدنيا في ناظريه، فاندفع السائل الساخن بين فخذيه. رُوِّع أهله، وأحاطوه بالعناية والمزاح طوال الليل، بينما جَسَّد إخوته على قدر ما يستطيعون كل الأدوار المضحكة التي كان يحبها ويضحك بكل قلبه معها، وقلَّدوا الوحوش، لكن بطريقة ساخرة؛ ليحطموا الخوف الذي سكن قلبه.

طلب إلى أحد السائقين أن يلتقط له صوراً برفقتها. أخذ لها بنفسه أيضاً عدة صور، ومن زوايا مختلفة بكاميرا هاتفه المحمول. الوحوش الملقاة على الأرض، أحدها مقطوع الذراع مكسور القدم، وأحدها عينه مفقودة وظهره مكسور، مسنود بخشبة كنائم في قيلولة أبدية، هيكل عظمى ممزق الأطراف، وجه باهت نُزعت من فوقه قماشة ملونة مرسومة بهيئة جمجمة وعظمتين، رأس حمراء لخرتيت، وشيطان بقرنين مقطوع الذراعين، ومنكفئ على وجهه.

كان الركاب يلتهمون أكياس البطاطس المقلية، والبسكويت، والشكولاتة، والمياه الغازية، والسائق انجذب إلى رجال النصف النقل. داروا حول العربة يتفحصونها بأيديهم ويتحادثون عن إمكانياتها، أي أن دقيقتين على الأكثر يمكن أن يظل بهما برفقتهم.

مرة أخرى أخذ كل راكب منهم مقعده، راح كل واحد إلى عالمه، الآن فقط أحب عزلته، أدار أصابعه ليُكبِّر تفاصيل الصور، يتذكر كل واحد منهم، ما تبقى في رأسه من تلك الليلة يفوق الوصف.

انطلقت العربة على الطريق مرة أخرى، عاد إلى عزلته التي صار يحبها ويحميها بكل ما استطاع من حيلة. أي شعور بالفرحة كان يتملكه الآن وهو يشاهد صور أجسادهم المحطمة، وانكسارهم المخزي! لكن ما إن أخذ يحدق إليهم طويلًا حتى فاجأته غمامة من الدموع انبثقت في عينيه، لم يملك القدرة على المقاومة، خبأ وجهه على مسند الكرسي الذي أمامه مدعيًا النوم، ثم سحت دموعه على خديه. حاول أن يكتم صوت النشيج الذي سيجلب إليه الشفقة حالمًا أن ينطوي الزمن، ليعود الهارب من جحيم بيته وعائلته الذين تخلوا عنه وتركوه وحيدًا ضائعًا لأنه لا يملك شيئًا، إلى زمن الطفولة حين كانت عفاريت بيت الرعب ووحوشه فقط هم أقسى كوابيس حياته.

*****

خاص بأوكسجين