بعد المطر
العدد 259 | 11 أيلول 2020
ويليم تريفور


تقديم:

ويليم تريفور (1928-2016) كاتب إيرلندي اشتهر برواياته وقصصه القصيرة الساخرة والجنائزية. تخرّج في جامعة ترينتي في دبلن، وعمل بعدها كمحاضر ونحّات، ثم انتقل إلى إنجلترا ودرّس الفن كبداية، وعمل بعد استقراره في لندن في مجال الإعلانات. بدأ بنشر الروايات والقصص القصيرة التي كان أولها “مقياس السلوك” عام 1958 لكنها لم تلق نجاحاً كبيراً، في حين نالت روايته التالية “أولد بويز” الصادرة عام 1964 استحسان النقّاد وحصلت على جائزة هوثورندن البريطانية، مما دفعه إلى التفرغ للكتابة.

ألّف بعدها العديد من الروايات مثل “المنزل الخشبي” (1965)، و”السيدة إيكدورف في فندق أونيلز” (1969)، و”إليزابيث وحدها” (1973)، و”أطفال دينماوث” (1976)، و”حمقى الثروة” (1983)، و”قراءة تورغينيف” (1991)، و”قصة لوسي غولت” وغيرها، إلى جانب عدد من المجموعات القصصية منها “اليوم الذي ثملنا فيه على كعكة وقصص أخرى” (1967)، و”مرقص الرومانس وقصص أخرى” (1972) والتي تحولت إلى مسرحية تلفزيونية شهيرة عام 1982، وآخرها “القصص الأخيرة” (2018)، وسواها.

نال جائزة ويتبريد الأدبية مرتين، ورُشح لجائزة البوكر مرتين ونال جائزة القلم الإيرلندي لمساهماته الجليلة في الأدب الإيرلندي. قصة “بعد المطر” من مجموعة قصصية بالعنوان نفسه صدرت عام 1996.

_______________

تتوزع طاولات الطعام المخصصة لشخص واحد بالقرب من جدران المطعم في فندق سيزارينا، في المساحة التي لا تتسع لطاولات أكبر حجماً لشخصين أو أكثر، وتحتل ثلاثاً من زوايا المطعم الأربعة، وبجانب باب حجرة المؤن حيث تحافظ أباريق الماء على برودتها، بين طاولة عائلية وأخرى، على جانبي نوافذ طويلة تصدر صريراً عند فتحها أو إغلاقها. المطعم فسيح، وسقفه عالٍ، وتخلو جدرانه الصفراء الشاحبة من أي زخارف، ويسوده الضجيج أثناء حضور نزلاء الفندق. تحتل الطاولات المخصصة لشخصين كامل المساحة المركزية في المطعم، وعلى مقربة من بعضها البعض لدرجة التلامس، أما الطاولات المخصصة لشخص واحد، فتنأى قليلاً بفضل الممر المتروك لحركة النادلين، ويمكن للجالسين عليها مراقبة النشاط الدائر في المطعم، ومشاهدة أصناف الطعام قبل توزيعها على الطاولات، سواء كان برودو أم باستا، لحماً بقرياً أم دجاج، وبصرف النظر عن نوع طبق الحلويات.  

“عشرة[1]” تجيب هارييت مشيرة إلى رقم غرفتها، وهي تنظر إلى الطاولة التي اعتادت الجلوس إليها طوال الأمسيات الإحدى عشرة الماضية ولا تعلم أين تتجه، حيث وُضعت طاولتها المعتادة ملاصقةً لطاولة صغيرة لا تتسع لعائلة حتماً. تقف قليلاً عند الباب، وتراقب أطباق الطعام تمرّ بجانبها، وتشاهد زجاجات النبيذ من البوفيه الرخامي تلتقطها نادلة صهباء أو أخرى نشيطة أو ثالثة جميلة وممتلئة الجسم. ترشد النادلة الصهباء هارييت في نهاية الأمر إلى طاولة بقرب باب حجرة المؤن حيث تحافظ أباريق الماء على برودتها، وتسألها “ماذا تشربين؟”. تطلب هارييت نبيذ سانتا كريستينا الذي شربته خلال الليالي السابقة، متغلبة على شعورها المستمر بالخجل من وقوفها وحيدة بالباب على الرغم من أن ما من أحد انتبه لوجودها.

ترتدي هارييت ثوباً أزرق يخلو من أي زينة باستثناء المشبك الأزرق اللامع على الحزام، وأقراطاً تكاد لا ترى، وعُقداً رخيصاً من خرزات بيضاء غير مصقولة. هزيلة الجسم، بشعر أسود قصير، ووجه طويل يشبه وجوه موديلياني[2] إلى حد بعيد. احتفلت بعيد ميلادها الثلاثين قبل شهر، وتقيم وحيدة في فندق سيزارينا بعد انتهاء علاقتها الغرامية.

أسبوعان من الفراغ نتجا عن إلغاء الإجازة، أرادت هارييت قضاءهما في مكان آخر خارج إنجلترا لأنها تمتلك متّسعاً من الوقت لذلك. “سآتي لوحدي” قالت بالإيطالية عبر الهاتف متمنية أن يكون لفظها صحيحاً، حيث اختارت فندق سيزارينا تحديداً لأنها تعرفه منذ طفولتها، ولأنها تعلم أن الأماكن المألوفة تلطّف وقع الوحدة.

“هل يعجبك؟” تبادرها النادلة الصهباء أثناء تقديمها نبيذ سانتا كريستينا.

“نعم، نعم”.

ينحدر الأزواج الذين يملؤون المطعم تقريباً من أصول ألمانية، ويُستدل على ذلك من مخارج الحروف الغليظة التي تتناهى إلى مسامع هارييت من الطاولات القريبة منها. جميعهم في منتصف العمر، تتفوق نساؤهم على رجالهم في أناقة الهندام، ويستمتعون بحرارة شهر آب وأسعار موسم التخفيضات، حيث تبلغ تكلفة الغرفة مع الإفطار ووجبة رئيسية مئة وعشرة آلاف لير إيطالي في الليلة الواحدة. قد لا تكون الحرارة شيئاً محبباً بالنسبة للبعض، إلا أن الجو يصبح ألطف وقت العشاء عند فتح نوافذ المطعم، لا سيما وأن جو الفندق يعدّ أكثر اعتدالاً بسبب موقعه المرتفع. وكما كانت والدة هارييت تقول: “لو كان ثمة أي نسمة عليلة، فستجدها في سيزارينا”.

أتت هارييت إلى هذا المكان للمرة الأولى منذ عشرين سنة مع والديها، عندما كانت في العاشرة وأخوها في الثانية عشرة، إلا أنها سمعت بالفندق قبل ذلك، وكيف يدهنون الأرضية الآجرّية بالزيت كل صباح قبل استيقاظ النزلاء، وكيف تبقى رائحة النظافة فوّاحة طوال اليوم، وكيف يقدمون الفطور المكون من لفافة خبز أو اثنتين مع القهوة أو الشاي على التراس، وكيف كانت الكلاب تعوي ليلاً في بعض الأحيان من مزرعة تقع على الجانب الآخر من التلة. كانت هناك صور للحديقة الجافة، والمناطق المحيطة المصفرّة، وحقل الفندق الذي ينحدر بشدة وصولاً إلى بئرين عميقين. ثم رأت بنفسها، صيفاً بعد آخر في موسم التخفيضات، مطعماً فسيحاً أسفل درجات حجرية تنحدر من الردهة، والصالات الثلاثة التي تحتوي إحداها زجاجات الويسكي أو البراندي لما بعد العشاء، مع أكواب صغيرة من القهوة اللاذعة. وتضم الصالة التي تحتوي خزائن الكتب على نسخ من لوحات جوتو دي بوندوني في مجلد موضوع على منضدة مائلة مخصصة للمطالعة، وكتاب “أخي جوناثان وريبيكا”[3] بين الروايات البوليسية للكاتب جورج جودشايلد على الرفوف. كان النزلاء يتهامسون عندما دخلت هارييت إلى هذه الغرف للمرة الأولى، غالباً بالإنجليزية، لأن غالبيتهم كانوا إنجليزاً في ذلك الوقت. لا يقبل فندق سيزارينا البطاقات الائتمانية حتى هذا اليوم، ولكنهم يقبلون الشيكات الأوروبية بما يتجاوز المبلغ المضمون.

“تفضلي سنيورة” تقول نادلة ترتدي نظارات طبية سبق أن رأتها هارييت مرة أو مرتين سابقاً، وتضع طبقاً من معكرونة تارياتيلي أمامها.

” غراتسي”

“على الرحب والسعة، سنيورة، هنيئاً”

لو لم تنتهِ العلاقة الغرامية – لطالما اعتقدت هارييت أن علاقات الحب ستستمر إلى الأبد – لكانت الآن على جزيرة سكيروس. ولربما جاءت يوماً ما إلى فندق سيزارينا كما فعل والداها قبل ولادة ابنيهما، ولجلست على إحدى الطاولات العائلية في المطعم. توجد عائلة أميركية هذا المساء، وأخرى إيطالية، وأزواج آخرون بخلاف الألمان. وهناك زوجان وصلا للتو تحدثا سابقاً في الطابق العلوي بما يشبه الهولندية، وثانيان عرفت هارييت أنهما سويديان، وآخران توقعتهما هولنديين أيضاً، ناهيك عن زوجين إنجليزيين عصبيين يجلسان على مسافة لا تتيح استراق السمع.

“هل أعجبكِ؟” تسألها النادلة الصهباء مرة أخرى، وتحمل الصحن الفارغ من أمامها.

“جداً، غراتسي”.

من بين رواد المطعم المنفردين هناك سيدة أميركية مربوعة شيباء سبق أن تحدثت مع هارييت عدة مرات في الطابق العلوي، ورجل يلفت الأنظار كل مساء بقمصانه المبهرجة، ورجل آخر دائم الالتفات بطريقة متشنجة، وامرأة أنيقة ترتدي الأسود قد تكون فرنسية، غالباً ما ينظر الرجل دائم الالتفات باتجاهها، وأحياناً باتجاه هارييت، بجسمه الضئيل وملامحه اللطيفة اليقظة.  وهناك رجل عجوز تراعي بدلاته البيضاء الكتانية شكليات الماضي ويرتدي كل عشاء ربطة عنق حريرية مقلّمة مختلفة.

كانت رواية المنزل الصغير في ألغينتون[4] في حقيبة يد هارييت في أول ليلة قضتها هنا، وكانت تنوي مطالعتها في المطعم، لكن ذلك بدا لها منافياً للصواب عندما حانت اللحظة، حيث ندمت وقتها على حماسها للمجيء هنا وحدها وتساءلت عما دفعها للقيام بذلك. لم تسعفها الرحلة في تلطيف قساوة الألم الذي تشعر به، إن لم نقل إنها أجّجت مشاعرها، فالرحلة في ذلك اليوم كانت لتكون مختلفة، عندما لا تسافر بمفردها، لكنها نسيت أن هذا سيكون حالها.

تضم وجبة قطع الدجاج أمام هارييت بطاطا وطماطم وكوسا مشوية وطبق سلطة، تختار جنبة بيكورينو والقليل من جبنة جورجونزولا. وتبقي نصف زجاجة نبيذ سانتا كريستينا من أجل الغد، ورقم غرفتها مكتوب على الملصق، ونفس الرقم، عشرة، مكتوب بخط مائل وأناقة زائدة على المغلف الذي يحتوي على المنديل، الذي تطويه وتدسّه في الحقيبة، وفي لحظة خاطفة أثناء قيامها بذلك، يندفع الرجل الذي جاءت إلى هذا المكان لنسيانه من غرفة أخرى مزدحمة باتجاهها في قاعة ملك بولندا، واسمها على شفتيه: “أحبك هارييت”، يهمس لها في خضم الضجيج الدائر حولهما، فتغمض عينيها عندما يعانقها ويقول: “حبيبتي هارييت”.

تتساءل هارييت في غرفة خزائن الكتب في الطابق العلوي عما لو كانت هذه العزلة هي ديدن حياتها. هل عادت إلى هذا المكان لتسلو بذكرى سعيدة من طفولتها؟ هل هذا السبب أصدق مما راودها في تلك اللحظة؟ لطالما أصبحت الأفكار مشوشة والحقيقة ضبابية، بل تغيب بالكامل، أو هذا ما يبدو، عند انتهاء علاقة غرامية. وتشعر بأن الحب خذلها عند انهيار علاقة أخرى، فللحب طريقة مميزة في تخييبها، مما يدفعها للتساؤل عن سبب هذه الحال، فالتساؤل رفيق من لا رفيق له. هذه المرة الأولى التي تُلغى فيها إجازتها، لذلك أتت لوحدها.

“أنا آسف”، يعتذر فتىً بسترة بيضاء بالإيطالية، بعد أن سكب مشروباً على ذراع سيدة ألمانية، التي بدورها تضحك وتقول بالإنجليزية ما من داع للاعتذار، ويضيف زوجها بالإيطالية “لا تهتم” عندما يرى الحيرة على وجه الفتى، لتضحك السيدة الألمانية من جديد.

“بالطبع، أنا أدرس القانون” تقول شابة طويلة الساقين، “وإلويز كوافيرة”.

فتاتان بلجيكيتان تجيبان على أسئلة الرجلين الإنجليزيين النضريين والقويين ويرتديان ملابس غير رسمية، ويزين شاربان وجه أحدهما.

“هل كلمة كوافيرة صحيحة؟ هل هذا ما تقصدينه؟”

“أوه، نعم” ويومئ الشابان، اللذان يقترح أحدهما شرب الويسكي على التراس، فتطلب إلويز وصديقتها البراندي، ويذهب الفتى ذو السترة البيضاء ليأتيهم بها من الخزانة الموجودة في الصالة التي تحتوي ماكينة الاسبريسو.

“وأنت؟” تسأل إلويز أثناء دخولهم إلى الغرفة مجتازين النوافذ الفرنسية إلى التراس. 

“أعمال حرة، أعمل في تجارة الخردة”، جاء صوته متراخياً واثقاً بلكنة مميزة. يساهم هؤلاء الناس من الجنسيات الإنجليزية أو الألمانية او الهولندية في استمرار فندق سيزارينا على مر السنين، وهم مختلفون عن الناس الذين عرفتهم هارييت في طفولتها.

يرسم رجل ملتحٍ زوجين خلسة دون علمهما أثناء جلوسهما للمطالعة على إحدى الأرائك، والعائلة الأميركية في الصالة تثير الجلبة، فالأم تهدهد طفلاً بين ذراعيها، ويعمل الأب على تهدئة طفلين آخرين، ولد وبنت.

“مساء الخير” يقطع الرجل بالملابس الكتانية تلصص هارييت، ثم يسألها إن كان الكرسي بجانبها شاغراً. يرتدي اليوم ربطة عنق مقلّمة بالبني والأخضر، وتلاحظ هارييت أن ملامحه الصلبة مشوبة بنمش الشيخوخة، وشعره خفيف يتراوح بين الأبيض والرمادي، وتبرز الرقّة من عينيه الزرقاوين الباهتتين.

“أنت تسافرين وحدك، أيضاً” يلاحظ الرجل راغباً في الجلوس معها في هذه اللحظة بعد أن أشارت هارييت أن الكرسي بجانبها ليس لأحد.

“نعم هذا صحيح”.

“أستطيع تمييز الإنجليز دائماً”.

يطرح نظرية مفادها أن هذا أمر يكتسبه المسافرون مع التقدم بالعمر وتراكم الخبرة بعد سفريات عديدة، مضيفاً “سوف تكتسبين هذا على الأرجح”.

تنحني رفيقة الرجل الملتحي الذي يرسم الزوجين الجالسين على الأريكة نحو الأمام وتبتسم لما تراه، أما في الصالة، فقد استطاع الأب الأميركي اقناع ابنه الأكبر بالذهاب للنوم، والأم ما تزال تهدهد ابنها صعوداً وهبوطاً، والرجل الذي يحملق حول المطعم بعصبية يقطع الصالة مسرعاً حاملاً كوبين من القهوة.

“لا شك أنهم لا يبخلون بالطعام هذه الأيام في سيزارينا” يقول رفيق هارييت.

“صحيح”

“كان الطعام شحيحاً في السابق”

“نعم، أذكر ذلك”

“أعني منذ وقت ليس ببعيد”

“كان عمري عشر سنوات في المرة الأولى التي جئت بها إلى هنا”

يجري عمليات حسابية، متطلعاً إلى وجهها لتخمين عمرها، ثم يقول إن ذلك كان قبل مجيئه للمرة الأولى في ربيع عام 1987، ويواظب على القدوم منذ ذلك الحين، ثم يسألها إن كان هذا حالها.

“انفصل والداي”

“يؤسفني ذلك”

“اعتادا المجيء إلى هنا طوال فترة زواجهما، فقد كانا مغرمين بهذا المكان”

“هذا حال بعض الناس، على النقيض من آخرين”

“أخي يجده مملاً”

“هذا متوقع من الأطفال”

“لم أجده مملاً يوماً”

“هذا مثير للاهتمام، أتساءل إن كان باستطاعة هذين الشابين اللذين قد حظيا بالفتاتين الاستمتاع مثلاً بجولات الباص السياحي في سيزارينا”.

يتكلّم، وهارييت لا تسمع. كانت علاقة الحب في السابق، كما هي جميع العلاقات الغرامية التي حصلت قبلها، ترياقاً لخيبة الأمل، ثم تحولت إلى عبء ثقيل ألقى بظلاله على حياتها عندما ذهب والداها كلٌ في سبيله. لم تحدث مشاحنات، أو مرارة أو شكوى عندما انفصلا، فقد أخبرا ابنيهما بلطف، دون إلقاء اللوم على الآخر، فكلاهما كانا على ما يبدو على علاقة بآخرَين لسنوات، وقالا إن الانفصال هو نتيجة أفضل من الاستمرار معاً من أجل العائلة. استخدما هذه الكلمات، وعجزت هارييت عن نسيانها. استطاع أخوها تجاهل خيبة الأمل، إلا أنها لم تفارق هارييت حتى بدأت علاقتها الغرامية الأولى، وكلما انتهت علاقة حب، غاب الترياق عنها.

“سأغادر غداً” يقول الرجل العجوز، فتومئ هارييت.

نام الطفل أخيراً في أحضان والدته الأميركية، التي تبتسم لشخص لا تستطيع هارييت رؤيته ثم تمشي نحو الدرج الحجري. وينهض الزوجان الجالسان على الأريكة، وما يزالان غافلين عن رسمهما، ويغادران، ويهرع الرجل الضئيل العصبي مجتازاً الصالة مرة أخرى.

“يؤسفني الذهاب” ينهي رفيق هارييت شيئاً كان يقوله، ثم يخبرها عن رحلته بالقطار لأنه لا يحب الطيران. غداء في ميلانو وعشاء في زيوريخ، دون مغادرة محطة القطار في كلتا المدينتين، ثم مغادرة زيوريخ على القطار المتأخر في تمام الحادية عشرة ليلاً.

“اعتدنا التنقل بالسيارة عندما كنت آتي مع والديّ”

“لم أفعل ذلك مطلقاً، ولن أبدأ بذلك الآن”

“أحببت ذلك”

لم يبد الأمر في ذلك الوقت مبتذلاً أو مصطنعاً، ولم يكن من العبثي ابتسامهم أو استمتاعهم في الفنادق الفرنسية الصغيرة على الرغم من اقتصار الجيد فيها على الطعام، أو أحاديثهم الصغيرة ومزاحهم ومجادلاتهم أمام السيارة. إلا أن التأمل في هذه الأحداث الماضية يؤكد على واقع مغاير، واقع كان يجري في الخفاء على شكل غداء سري مع شخصين آخرَين، ولقاء في غرف فندقية مسائية، وكثير من الخداع، واقع كان بمثابة شبكة من الأكاذيب انتهت باكتشاف أحدهما، لم يكن مهماً أيٌ منهما، واقع تطلّب وجود ما هو أفضل ممّا تعطيه العائلة.

“هل أتيت بمفردكِ هذه المرة؟”

ربما كرر هذه الجملة مرتين، لم تكن هارييت متأكدة، إلا أن تعابير وجهه توحي بذلك.

“نعم”

يتحدث عن العزلة، فهي تضفي على الحياة جودة يصعب تعريفها، بصورة تتجاوز الديباجة المعتادة للتعرّف على الذات. كان وحيداً كذلك لعدة سنوات ووجد العزاء في ذلك الوضع بالذات، وهو ما يراه مفارقة ساخرة من نوع خاص.

“كنت أنوي الذهاب إلى مكان آخر” لم تعلم لماذا أفصحت عن ذلك، ربما من باب الأدب. رأت هذا الرجل في الأمسيات الماضية يتحدث مع من صادف جلوسه بجانبه بعد العشاء، يتحلى بالأدب ويبدو عليه الاهتمام لا التطفل.

“هل غيّرت رأيك؟”

“علاقة منتهية”

“آه”

“كان من المفترض أن أكون على جزيرة تحت أشعة الشمس”

“وأين ذلك؟ إن جاز لي السؤال”

“تسمى جزيرة سكوريس، وتشتهر بالعلاجات المتاحة فيها”

“علاجات؟”

“إنها رائجة”

“علاجات للمرضى، أليس كذلك؟ لا تبدين مريضة إن جاز لي القول”

“لا، لست مريضة” لم تستطع الحفاظ على الرجال الذين تحبهم، لكنها ليست مريضة بالطبع.

“تبدين بصحة ممتازة في الواقع” يبتسم فتظهر أسنانه التي ما تزال طبيعية “إن جاز لي القول”

“لست متأكدة من أنني سأحب الجُزر تحت أشعة الشمس، لكنني أردت الذهاب هناك على الرغم من ذلك”

“من أجل العلاجات؟”

“لا، كنت سأتجنب ذلك، العلاج بالرمل، العلاج بالماء، العلاج بالجنس، العلاج بالصور، الجلسات الاستشارية بمجملها. كنت لأبتعد عنها على ما أعتقد”.

“إن العيش وحيداً علاجٌ أيضاً، بالطبع، على الرغم من أن الدردشة ممتعة”

لم تكن تستمع، وهو يواصل الحديث. يقرع السياح على جزيرة سكيروس الطبول أثناء المغيب ويستقبلون الفجر بالغناء، أو ربما يسبحون ويلعبون، أو يكشفون خبايا ذواتهم.

لا يوفر فندق سيزارينا، أو ما آل إليه على يد الألمان والهولندين، مثل هذه الأنشطة، ولم يعد الفندق كافياً لوالديها، فهما يسافران إلى أماكن أكثر رقيّاً بعد انفصالهما.

“أرى رواية المزرعة الاسبانية[5] ما تزال على الرف”، وقف الرجل العجوز وحامَ لبرهة. “أشك أن أحداً قرأها من بعدي منذ 1987”.

“لا، على الأرجح”

يقول تصبحين على خير ثم يغيرها إلى الوداع لأنه سيغادر في الصباح الباكر. يبدو لهارييت للحظة أنه يتلكأ، وينمّ شيء في وقفته عن رغبته في البقاء، وشرب كوب قهوة أو كأس نبيذ، لكنه يذهب دون أن ينبس ببنت شفة.

تدرك فجأة أنه وحيد في شيخوخته، وتتساءل عن سبب عجزها عن رؤية ذلك عندما كان يحادثها، وحيداً بالرغم من كل دفاعه عن العزلة.

“وداعاً” تنادي عليه، لكنه لا يسمعها. قررا المجيء مرة أخرى في صيف الانفصال، إلا أن الإلغاء طال تلك الخطة أيضاً، تاركاً أسبوعين من الفراغ في جدولها.

“تصبحين على خير” يقول الفتى ذو السترة البيضاء بالإيطالية من مكانه مع ابتسامة طفيفة أثناء اجتيازه الصالة. هذا يومه الأول في العمل، ففي البارحة كان هناك فتى آخر، إلا أنها لم تلاحظ ذلك أيضاً.

تمشي تحت قيظ الصباح على طريق ضيق متجهة إلى البلدة، بالقرب من المقبرة ومحطة الوقود المهجورة، وتمر بجوارها بعض السيارات القادمة من الفندق، فالطريق لا يؤدي إلى أي مكان آخر، وسرعان ما تتلاشى معالمه في النهاية، ويخطر ببالها أن الجو لا بدّ أشدّ حرارة في جزيرة سكيروس.

تجمعت الغيوم في جزء واحد من السماء، على الجانب المعاكس لوجهتها، فتحدّث نفسها أن ظل الغيوم يجعل الجو أكثر اعتدالاً، ولكنها ما تزال بعيدة قليلاً عن الشمس حتى يكون لها هذا التأثير. يزداد عرض الطريق ويصبح الانحدار أقل مع اقترابها من البلدة، وترى هناك حديقة بمقاعد اسمنتية وأولى الكنائس المسماة تيمناً بالقديس أغنس الذي عاش في هذا المكان.

لم يكن ثمة أحد في الحديقة عندما جلست هارييت في فيئة أشجار الكستناء في إحدى الزوايا، وعلى مسافة بعيدة منها، تتضاءل البلدة مرة أخرى، ويبدأ طريق رئيسي بالالتفاف عند التقاء شجر الصنوبر الإبري والثمري مفضياً إلى طريق سريع بعيد عن الأنظار. “ألم نكن سعداء؟” تسمع صراخها الداخلي، كصيحة حادة لا تستطيع منع نفسها من إطلاقها. بلى، كانوا سعداء، وهو ما وافق عليه في مرة سابقة، رغم قلقه تجاه التعبير عنه، فما عناه كان سعداء ولكن ليس بما يكفي، وهذا ما كان واضحاً، فهناك شيء ما ينقصهما، وعندما سألته أجابها بأنه لا يعلم، في إخلاص واضح لحيرته.

تشعر بالانتعاش، فتتابع سيرها في شوارع ضيقة ومغطاة صوب الميدان المركزي للبلدة، ترتاح هناك مجدداً وتجلس إلى طاولة على الرصيف لتشرب كوباً من الكاباتشينو.

يمشي الطليان والسياح ببطء في الساحة المرصوفة دون انتظام، تحمل النساء أكياس التسوق والكلاب، ويخرج الرجال من مَحال الحلاقة، ويرتدي السياح ملابسهم الصيفية. تسيطر كنيسة سانتا فابيولا على الساحة، بدرجاتها الرمادية وواجهتها الحجرية. وهناك مقهى آخر على الجانب المقابل من المقهى الذي اختارته هارييت، وسلسلة من أكشاك السوق بجانبه. توجد بنوك البلدة في الساحة بعيداً عن المحلات، وترتبط المطاعم الشعبية ومحلات الآيس كريم ببعضها من خلال ديكوراتها المتشابهة. “هذا صحيح، كلها متشابهة” كما قال والدها.

في هذه الساحة بالذات، رفعها والدها عالياً فوق رأسه، فنظرت إليه لترى ضحكته، ولاحظت وجهه المقلوب فضحكت أيضاً على مزحته تلك. رطنت والدتها بفرنسيتها المتلعثمة في الفنادق الصغيرة التي اعتادوا النزول فيها في إجازاتهم، واحمرّ خدّاها عندما عجز أي أحد عن فهم ما تقول. “أوه، هذا رائع!” تمتمت والدتها وقتها على بعد طاولة واحدة من مكان جلوس هارييت الآن.

يهبط قسيس درجات الكنيسة، تنظر إليه ولا تعرفه، ويعرج كلب هزيل على دقات جرس الساعة الثانية عشرة في كنسية سانتا فابيولا، والتي لا تكاد تنتهي، حتى تُسمع أجراس أخرى من بعيد. غطت الغيوم الشمس، لكن ذلك لم يخفف سخونة الهواء من شيء، ولم يسمح بوجود أي نسمات عليلة.

قال لها في بهو سينما ريمبراندت إنّ علاقتهما الغرامية ليست على ما يرام باعتقاده، وهناك حيث صرخت ” ألم نكن سعداء؟” لم يتشاجرا وقتها، أو حتى لاحقاً عندما سألته عن سبب إخباره لها في بهو السينما، لكنه لم يعلم السبب، على حد قوله، سوى أن الأمر بدا مناسباً في تلك اللحظة، اعتماداً على مزاجهما المشترك حينها. لو لم تكن إجازتهما قاب قوسين أو أدنى، لاستمرت العلاقة ربما لبعض الوقت، ولكن من الأفضل ألا تستمر، كما قال.

كان الرابع عشر من فبراير في لندن قاتماً وبارداً وشتوياً كما هو الحال في ألينغتون، بل ربما يكون أكثر سوداوية في برودته بطريقة أو بأخرى. سبق لها أن قرأت هذه الجملة، لكنها لم تستطع الركون إليها، ولا تستطيع الآن. تخلع نظاراتها السوداء، لم يكن شكل الغيوم مشابهاً للرزم الجميلة التي لاحظتها سابقاً، كصوف قطني أبيض يشبه ديكورات رافائيل أو بيروغينو، بل كانت الغيوم التي تتسارع في السماء رمادية كالرصاص، بكآبة قاتمة تتفشى فوق أزرقٍ تلاشى تقريباً. تتساقط القطرات الأولى عندما تحاول هارييت فتح أبواب كنسية سانتا فابيولا فتجدها موصدة، وستبقى كذلك حتى الثانية والنصف كما يقول الإشعار المعلّق.

تقرر إقامة حفل الزواج في لندن في النهاية. تقرأ هارييت في المطعم الشعبي. تعددت الأسباب التي تجعل إقامة الزواج في قلعة كورسي أكثر ملائمة، فعائلة دي دورسي مجتمعة بالكامل في مقر إقامة العائلة الريفي، وبإمكانها حضور الحفل دون عناء أو تكاليف. ليست جائعة، لكنها طلبت وجبة ريزوتو، على أمل أن تكون صغيرة، وماءً معدنياً غير فوّار.

“هل يوجد خبز أو دقيق في الطبق؟ لا أستطيع أكل الدقيق”، تقول سيدة بالإيطالية، وينصت لها النادل هزيل الوجه باهتمام ظاهر، غير مستوعب في البداية، ثم يومئ بحماس ويرد “لا يوجد دقيق”، مشيراً إلى الأطباق على لائحة الطعام. هذه المرأة من الفندق يرافقها شاب نحيف قد يكون ابنها، ولا يمكن لهارييت معرفة اللغة التي يتحادثان بها.

“الطعام جيد؟” يسأل نفس النادل هارييت بالإنجليزية عند مروره وملاحظته أنها بدأت تناول طبق الريزوتو، تومئ برأسها وتبتسم وتواصل القراءة على وقع المطر الغزير في الخارج.

تعود لوحة البشارة المعلّقة في كنيسة سانتا فابيولا لفنان غير معروف، ربما من أتباع مدرسة فيليبو ليبي[6]، لا أحد متأكد من ذلك. فيها ملاك راكع، بأجنحة رمادية بارزة، ونصف زنبقته مخبأة وراء عمود، أما أرضية اللوحة فهي من الرخام الأبيض والأخضر المصفرّ، وتبدو العذراء فيها خائفة، ويدها اليمنى تشير باتجاه ممر الزوار، ومن ورائها في خلفية الصورة أقواس هائلة ودرابزين، ثم تبدو السماء والتلال. يسيطر الصمت على اللوحة، صمت نابع من الغموض، وما من كلمات منطوقة في هذه اللحظة الآسرة، فالحوار الذي دار فيها قد قيل بالفعل.

تلتقط عين هارييت التفاصيل، الطيّات الخضراء في ملابس الملاك، والأحمر تحته، والنقطة في السماء بمثابة حمامة، وكتاب العذراء، والأعمدة الفخمة، والمزهرية الفارغة، وخُف العذراء، وقدما الملاك العاريتان. المشهد البعيد معتدل، كما لو أن الحرارة لم تلامسه قط، والنظرة في عيون العذراء ليست تعبيراً عن الخوف، بل عن الدهشة، وصفاء ذهني في لحظة أخرى. ينسلّ بعض السياح إلى الكنسية، يتهامسون فيما بينهم، ورجل يرتدي مئزراً أسوداً يمسح أرضية الممر المركزي، ويركز على طرفيه، وامرأة عجوز تصلّي أمام تمثال العذراء، تهمهم بهدوء ومسبحتها في يدها، ورائحة زكية تفوح في الهواء.

تمشي هارييت ببطء متجاوزة الشموع الملتهبة وضريح عائلة محلية، بجوار آثار المذبح، وجوقة صغيرة ترتّل قصة سانتا فابيولا. لم يسبق لها زيارة هذه الكنسية من قبل، سواء خلال زياراتها الحالية أم السابقة، فوالداها لم يكونا مهتمّين بالكنائس، وكان بإمكانها المجيء بمفردها البارحة أو أي يوم من اقامتها لكنها لم تبدِ اهتماماً أيضاً. أحبّ والداها الاستمتاع بأشعة الشمس في حديقة الفندق، والتنزّه باتجاه المقاهي، والقيادة عبر التلال أو صوب القرى الصغيرة الأخرى، أو نحو بركة السباحة في بونتي نيكولو.

تعرج المرأة التي تصلي لإشعال شمعة أخرى، ثم تعود لتتابع صلاتها. تعود هارييت إلى لوحة البشارة وتجلس على المقعد الطويل المجاور لها. هناك مزيج من الأزرق والرمادي في أجنحة الملاك، وبقع زرقاء صغيرة لا يمكن ملاحظتها من النظرة الأولى. خف العذراء بني، والمزهرية الفارغة على شكل مصباح ذي قاعدة هيفاء، وكتاب العذراء يزدان بالذهبي على الرغم من بقاء آثاره لا غير.

توقّف المطر عندما غادرت هارييت الكنيسة، وأصبح الهواء منعشاً. من غير المجدي أن تستخدم علاقاتها الغرامية لاستعادة إيمانها بالحب، فالفكرة موجودة رغم غموضها، شأنها شأن خيانتها في علاقتها الغرامية، التي لا أساس لها أيضاً.

تقف هارييت لحظة إضافية، وحيدة على درج الكنسية، محتارة أمام هذا الإلهام الشخصي، مدركة لصحته بصورة غريزية. تلاشى الغبار الذي يغطّي ممرات الساحة مظهراً الشقوق بين الحجارة، ويعمل النادل في المقهى الذي شربت فيه الكاباتشينو على تجفيف الكراسي البلاستيكية.

كانت الشمس ما تزال تصارع السماء الماطرة، عندما بدا لهارييت أثناء سيرها باتجاه فندق سيزارينا أن حياة مختلفة قد تسللت من الحجر والشجر أثناء الاستراحة من موجة الحر الخانقة، فالبرودة تنبثق من الطرقات التي تسير عليها، والطير يغرّد مختبأً في أجمة أشجار الغرنوق البرية. 

 وغداً عندما تتولى الشمس دور البطولة مجدداً في هذا الوقت من العام، سينمحي ما تبقى من هذه النعومة بعد دقائق معدودة في الظهيرة، وتستقر كمّيات جديدة من الغبار في الممرات، ويسخن الرخام لدرجة يستحيل لمسه، وقد تمر أسابيع أو أشهر قبل أن يتسبب المطر في ظهور هذه الروائح التي أصبحت خفيفة الآن.

دائماً ما تكون الشمس عديمة الرحمة عند عودتها، وقاسية في عقابها، لذلك أجبروها في حديقة الفندق اليابسة على ارتداء قبعة لم تعجبها، لكنها أفضل من التعرض لضربة شمس، ويتوارى كلاهما خلف نظارات شمسية معتمة ومرهم واقٍ. أجمل ما في جزيرة سكيروس هي شمسها. “ما أحتاجه هو الشمس” كما قال، وتتساءل هارييت إن ذهب إلى هناك في النهاية، وفيما لو كان هناك اليوم، وليس وحيداً في لندن، وفيما لو وجد شخصاً يرافقه إلى هناك. تراه في سكيروس، ينزلق على الماء في خليج أتسيتسا، الذي طالما تحدث عنه. تراه رفقة شخص يخلو من التعقيد ويشعر بالسعادة في خليج أتسيتسا، ويخضع لعلاج ما لمعرفة ماهيته ليس إلا.

تشبّعت المقاعد وبتلات الورد بالماء في فندق سيزارينا، في حين تجمعت المياه في كأس متروك على التراس، واُستخدمت جميع المظلات في القاعة الخارجية، وفُتحت النوافذ بعد إغلاقها لفترة وجيزة، وشُغلت مرشات الماء على منحدرات الكروم من جديد.

لا ترغب هارييت في الولوج للداخل، فتمشي في الحديثة بين نبات الكرمة، فينتقع حذاؤها بالماء، وتسمع صوت الأجراس قادمة من كنيسة سانتا فابيولا في البلدة معلنة عن الساعة السادسة، والساعة السادسة ودقيقة في مكان آخر. تعجز أثناء وقوفها وحيدة بين أشجار الكرمة التي تقطر ماءاً عن ربط الأمور ببعضها، رغم علمها المسبق بترابطها.

يسيطر الفراغ على أفكارها، بكثافة تشبه الفوضى أيضاً، ثم تدرك أن لوحة البشارة قد رُسمت بعد هطول المطر، والمشهد البعيد الذي تتخلله الأقواس فيها يشبه المنظر المؤقت الذي تراه الآن. أتى الملاك بعد هطول المطر، بحيث كانت اللحظات الباردة الأولى فترة وجب استغلالها.

أُلحقت الطاولة التي جلس عليها الرجل صاحب القمصان المبهرجة بطاولة عائلية لإفساح المجال لجلوس سبعة أشخاص في المطعم، وهناك امرأة أخرى تجلس في مكان السيدة الفرنسية الذكية، وما من أحد على طاولة الرجل العجوز. أما المرأة التي كانت تقول في المطعم الشعبي أنها لا تستطيع تناول الدقيق فقد حصلت على المرق بدلاً من فطائر رافيولي، وهناك وجوه جديدة في كل مكان.

“بونا سيرا” تحيي النادلة الصهباء هارييت وتحضر لها النادلة ذات النظارات طبق سلطة.

“غراتسي” تدمدم هارييت.

“على الرحب والسعة، سنيورة”.

تصب النبيذ، وتقطع كسرة خبز. يعلو الضجيج في المطعم الآن، جراء قعقعة الصحون وثرثرة الحاضرين. كان الأمر مشابهاً للضجيج في بهو سينما ريمبراندت عندما أخبرها، هو ضجيج الصدمة، على الرغم من الصمت المطبق الذي كان يخيم فعلاً وقتها. ومضت ألوان ساطعة ومزعجة في وعيها، كما لو أن دفعة من الدماء قد انفجرت في مشكال من الحزن. أغلقت عينيها في بهو السينما لبرهة، تماماً مثلما فعلت عندما أخبراها أنهما بصدد الانفصال ولن يستمروا معاً كعائلة.

كان بإمكانها أن ترسل لهما بطاقات بريدية، لكنها لم تفعل. كان بإمكانها أن تخبرهما أن الإفطار في الفندق لم يعد عبارة عن كوب من القهوة ولفائف الخبز منذ بدأ الألمان والهولنديين والسويسريين بالقدوم إلى الفندق، بل أصبح مكوناً من الجبن واللحوم الباردة والفواكه والحبوب والكعك الطازج على التراس. في كل صباح جلست فيه هناك لقراءة المنزل الصغير في ألغينتون، كان يراودها إن كانا مهتمين بمعرفة التطورات التاريخية على إفطار الفندق.

تساءلت اليوم إن كانا مهتمين بمعرفة أن محطة الوقود ما تزال على الطريق نحو البلدة، أو أنها جلست في الحديقة المهجورة تحت أشجار الكستناء. فكرت في أن ترسل له بطاقة بريدية أيضاً، ولكنها لم تفعل في النهاية. كان حبيبها الذي سبقه من شجعها على إحضار روايات طويلة في الإجازات مثل نزيل قاعة ويلدفيل والطاحونة على نهر فلوس[7].

عشاء اليوم مكون من لحم العجل مع السبانخ، طلبت هارييت طبقاً من الحلويات مستذكرة هذه الكعكة الصفراء الطرية من الماضي. لن تتذوقها مرة أخرى، وكما تعلم بإبهام أنها خانت حبيبها دون قصد، تعلم أنها لن تعود مجدداً، سواء بمفردها أو رفقة شخص آخر. الرجوع إلى هنا أصبح من الماضي، كرحلة خاصة فرضتها الصدفة، وغداً ستغادر.

في الغرفة التي تحتوي على رفوف الكتب ونسخ من لوحات جوتو، تشاهد الناس يشربون الويسكي أو البراندي، أو يطلبون المزيد من القهوة من الفتى في السترة البيضاء، أو يبدؤون حديثاً فيما بينهم. تعرفت الفتاتان البلجيكيتان على الشابين الإنجليزيين الذي غطس أحدهما بحثاً عن الحطام، ونيف الذي يمارس أعمالاً حرة. مروا جميعاً في الغرفة أثناء توجههم إلى التراس، وتضع الفتاتان سترتيهما على كتفيهما لأن الجو أبرد من الليلة الفائتة. “ذلك الرجل رسمنا!” يصرخ الزوجان اللذان رُسما ليلة البارحة ويحدّقان بصورتهما التي تكاد لا تشبههما في كتاب الذكريات الخاص بالفندق.

تولّى عنها، شأنه شأن الآخرين، عندما طلبت الكثير من الحب، عندما حاولت تغيير الظروف الماضية من خلال فرض حاضر أكثر إشراقاً، والسعي إلى الاستقرار في المستقبل قبل كل شيء. لطالما كانت ضحية نفسها: باتت تعرف ذلك الآن بما لا يدع مجالاً للشك، وتسأل نفسها عن أسباب قيامها بذلك، ولماذا لم تفعل ما كان يجب فعله في السابق. لا تحصل على إجابات عندما تتأمل العزلة التي تشعر بها في إقامتها في فندق سيزارينا، وتشعر بأن ما من شيء سيدلها على الطريق. ترى ربطة العنق المقلّمة بالأخضر والبني للرجل العجوز الذي تحدّث عن عزلته، والنمش الذي يزين جبينه. ترى نفسها ماشية في قيض الصباح بجوار المقبرة ومحطة الوقود التي أكلها الصدأ، وساعية نحو ظلال أشجار الكستناء في الحديقة، مجتازة الساحة باتجاه المطاعم الشعبية أثناء تساقط قطرات المطر الأولى، وتسمع حفيف ممسحة عامل التنظيفات في كنيسة سانتا فابيولا، وترهف سمعها لهمسات السياح، وترى أصابع المرأة المتعبدة تقلّب حبات المسبحة، وتلاحظ لهيب الشموع. تضيع قصة سانتا فابيولا في ظلال من كانوا أهم الأشخاص في حياتها، وفي عفونة قبور العائلة التي تفوح منها رائحة الموت. يُضفي المطر حلاوة على الهواء اللاهث، ويظهر الملاك أيضاً من حيث لا تدري.

 

*****

خاص بأوكسجين

 

[1] بالأصل: Dieci بالإيطالية. ورد جزء كبير من الحوار باللغة الإيطالية. المترجم.

[2] أميديو كليمينتي موديلياني: رسام إيطالي. المترجم.

[3] بالأصل: My Brother Jonathan and Rebecca. المترجم.

[4] بالأصل The Small House at Allington للكاتب أنتوني ترولوب. المترجم.

[5] بالأصل: The Spanish Farm. المترجم

[6] بالأصل: Filippo Lippi: راهب ورسام إيطالي. المترجم.

[7] بالأصل The Tenant of Wildfell Hall، وThe Mill on the Floss على التوالي. المترجم


ويليم تريفور (1928-2016) كاتب إيرلندي اشتهر برواياته وقصصه القصيرة الساخرة والجنائزية.. من رواياته: "المنزل الخشبي"" (1965)، و""السيدة إيكدورف في فندق أونيلز"" (1969)، و""إليزابيث وحدها"" (1973)، و""أطفال دينماوث"" (1976)، و""حمقى الثروة"" (1983)، و""قراءة تورغينيف"" (1991)، و""قصة لوسي غولت"" وغيرها، إلى جانب عدد من المجموعات القصصية منها ""اليوم الذي ثملنا فيه على كعكة وقصص أخرى"" (1967)، و""مرقص الرومانس وقصص أخرى"" (1972) والتي تحولت إلى مسرحية تلفزيونية شهيرة عام 1982، وآخرها ""القصص الأخيرة"" (2018)، وسواها. نال جائزة ويتبريد الأدبية مرتين، ورُشح لجائزة البوكر مرتين ونال جائزة القلم الإيرلندي لمساهماته الجليلة في الأدب الإيرلندي."