الولادة
العدد 207 | 01 آذار 2017
علي بهلول


منذ 23 عاماً وأنا أدفع ثمن تلك الليلة، بل تلك البرهة. وُلِدتُ ملعوناً، كل صفعات الأطباء على جلدي الطري لم تُجدي نفعاً. رموني في حضن أمي التي رمتني بدورها بين يدي أبي وقالت: ((ميت ميت، ابنك ميت!)).

لا أدري حقيقةً ما دافعي للعبث بحياتي على هذا النحو، لا أعلم أساساً إن كنت أعي ما أفعله، فتلافيف مخي آنذاك لا تعدو كونها عجينة في باطن الغيب المخبَّأ في ظرف الخميرة الذي لم تمسسه يدٌ بعد.

ربما كنتُ مأخوذاً برحابة المكان فقط، الذي لن يلبث أن يضيق بتفسيرات الأطباء والأهل والمشايخ وما شابههم أو خالطهم، ولكم سيحتاج هذا المكان لاحقاً إلى تأويل حتى أجد لي فيه موطئ قدم، باستثناء ذلك سيكون قبراً رحباً يفيض عن حاجة جثة نحيلة مثلي.

كل سنوات طفولتي، أجلس على مائدة الطعام، ذهاباً إياباً إلى المدرسة، أُعَاقَب في المنزل، أجري خلف الكرات في الحارة ويضربني الأطفال، أستلم “جلاءاتي” المدرسية، أُنجِزُ أوراقي الرسمية في الدولة، كل ذلك، كل ذلك أفعله بوصفي جثة، فقط لأنني لم أصرخ حين صُفعت، فظن الجميع أنني ميت ينمو!

23 عاماً كانت عبارة عن قبر زمني يتضخم، عاماً بعد عام كان جسدي يأكل جثة الفراغ متوسعاً، الفراغ الذي أُخِذَ غيلةً ولم يعرف كيف يتقيأني، واستمر بالتحديق مندهشاً.

كنت أنظر إلى الأطفال، أبلع حنجرتي وأحسدهم: “يا الله! لو أنني أكون!”، أفكر بمتعة الولادة، متعة أن تكون مولوداً حقاً، ليس طفرةً، كنقطة حبر فاضت عن محبرة العدم إلى صفحة الحياة، ثم تفشت، مثلي.

لكن يوماً غريباً من شهر آب 2016 في مدينة اسطنبول، سيحمل تغييراً مع رياحه الباردة الغريبة عن هذا الشهر الحار، إذ كنت أعبر جسر “الميتروبوس” في منطقة “أفجلار” باتجاه هنغارات وسائط النقل، حوالي الساعة 10:45 ليلاً، نعم تلك هي الساعة التي وُلدت فيها!.

في منتصف الجسر تقريباً، هناك طفل بقميص أرجواني مقلم، يركع على ركبتيه ويحجّ بجسده وكأنه يطوف بالبرد المقدس الذي هبط على اسطنبول فجأة منذ الصباح.

انحشرت الشتائم جميعها متدافعةً إلى مخارج الحروف في فمي، فتلعثمت ولم أتمكن من تركيب شتيمة مفيدة، أخرجت كل ما في جيبي من نقود، وانحنيت لأضمه وأضعها في يده.

لم أستوعب في البداية ما جرى، أذكر أنني ترنحت قبل أن أسقط أرضاً، صرخت، ثم أخذت الشهقة الأولى بعدها، وكان لا لبس بعد ذاك فيما حدث، كنت قد تلقيت صفعةً بالفعل من يد ناعمة لا تتجاوز مساحتها ورقة عنب، لكنها أشعلت من نار الجحيم على وجهي ما يكفي لزجر الإنسان الأول عن سوأته، ودفعه كي يستعين بورقة عنب يداري بها عورته.

تكتّلت ملامح الطفل البريئة فوق وجهه، واقترب حتى لامس أنفي الأفطس، ثم صرخ: “ضب مصرياتك يا قحب، بدك تكتب عني يا عرصا، بدك تشوهني وطلعني أنا وحياتي الوسخة حلوين يا وسخ!”.

زجرني كي أعيد النقود إلى جيبي، بينما زحفت أنا مذعوراً، ثم هرولت باتجاه الهنغارات.

طوال الطريق وأنا أتحسس وجهي الملتهب، عيناي مليئتان بالدموع، وأذناي تطنّان بشتائمه.

في غرفتي شعرت للمرة الأولى وكأن أطناناً من النقود المعدنية في جيبي، درجة أنني لم أتمكن من المشي خطوة واحدة بعد العتبة.

أخرجت النقود، كانت كما هي حوالي 45 ليرة تركية هي كلّ ما أملك، لكنها ثقيلة جداً، رميتها على الطاولة أمامي ككيس “شمينتو”، لكن ثقلاً ما ازداد في جيبي بدل أن يزول، أخرجت نقود إضافية، أخرجت وأخرجت، رميتها على الطاولة، ثم غطت أرض الغرفة، وتابعت بإخراج المزيد، بنك مركزي لن يستوعب هذا الكم، من أين يا الله؟! من أين؟!

أحصيت النقود مراراً، تباً للخبل، لا تزال 45 ليرة لا زيادة ولا نقصان، أحصيتها مرة أخرى، وصنفتها في جداول وطوابير، مستحيل، كل العمليات الحسابية كانت تقودني إلى ذات النتيجة، 45 ليرة.

شعرت بالإعياء والجوع، قبضت كمشة من النقود ونزلت إلى السوبر ماركت أشتري ما أسد به رمقي. أمام البائع كنت كمن أصابه البكم، لم أتمكن، حاولت، حاولت، لكنني لم أتمكن من شراء شيء، وكأنها لعنة، سحر أسود كالذي نسمع عنه في الخرافات!.

أيام مضت، والجوع يأكل أمعائي، وأكوام النقود حولي وكأنها سراب واحة في صحراء.

في تمام الأسبوع الأول بدأت أشعر بتصلب في قدمي اليسرى، وخلال ساعات كنت أنقر عليها فأسمع صوتاً عميقاً كالمعدن، حاولت جذبها قريباً من نظري لكنني انتزعتها خطأً، جفلت، قربتها أكثر مني فوق السرير، فوجدتها مليئة بنقوش من فئة الليرة التركية، أحكمت قبضتي عليها مرعوباً، فتفتت إلى قطع نقود معدنية.

أعتقد أنه قد أغمي عليّ  لبعض الوقت من الذعر، لكن الجوع أيقظني مجدداً لأواجه ما لا بدّ منه، حملت النقود منقاداً وراء غريزة فطرية، وواصلت القفز على قدم واحدة، استند من جدار إلى جدار، حتى وصلت السوبر ماركت، نجحت أخيراً بشراء بعض الطعام.

تكرر الأمر خلال الأيام التالية، كل فترة معينة أشبه بالدورة الشهرية كنت أفقد جزء من جسدي، أشتري به طعاماً يبقيني حياً لأعود إلى عذاباتي من جديد.

في اليوم 43 من ولادتي بدأت أكتب سيرة حياتي الوجيزة هذه، كانت يدي اليمنى هي آخر ما تبقى مني، إضافة إلى جزء من جذعي يصلها برأسي أو ما تبقى منه، دُفع باب غرفتي فجأة، دخل الطفل ذو القميص الأرجواني، تقدم من سريري، نقر بأصابعه على جبهتي، ثم ابتسم “يومان فقط، ثم سأعود لأشتري بك بعض الطعام”.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب من سورية