الـبُــدلاء
العدد 229 | 01 نيسان 2018
أحمد الزناتي


يذكر د. إمام عبد الفتاح إمام في مقدمّة كتابه الضخم المكوّن من جزأين عن حياة الفيلسوف الدانماركي سورين كيركجارد وأعماله (الجزء الأول- دار الثقافة، 1982)، عبارةً يصف فيها كيركجارد بقوله: “كان يريد لفلسفته أن تكون تعبيرًا عن وجوده الخاص الذي هو نسيج من المتناقضات، ولكن كيف؟”

خلّف كيركجارد وراءه تراثًا فلسفيًا وأدبيًا كبيرًا، كما ترك يوميات تصف حياته الشخصية يومًا بيوم، فكان يفتّت ذاته إلى شذرات ليخلق بها مجتمعًا بديلًا عن المجتمع الذي لم ينسجم معه، فاختلق شخصيات اختبأ وراءها ليعرض أفكاره، فكتاب شذرات فلسفية كتبه يوهانز كليماكوس، والتكرار كتبه قنسطنطين قسطنطينوس، وخوف ورعدة كتبه يوهانس دي سالنتينو، ومفهوم القلق كتبه فيجيليوس هاوفمينيس، تصديرات كتبه نيقولاوس نوتابيني، ومراحل على طريق الحياة كتبه هيلاريوس بوكبنرر. وكان كل كتاب يتناول زاوية معينة من الحياة.

كان كيركجارد واعيًا لهذه التناقضات داخل ذاته، فعندما نشر كتابه الذي يحمل عنوان أوراق شخص لا يزال حيًا سنة 1838، أضاف ملاحظة يقول فيها إن هذه الأوراق قد (نُشرِت ضد إرادة صاحبها والمسؤول عن نشرها هو س. كيركجارد). يُرجع الدارسون سبب كتابة أعماله الفلسفية والأدبية بأسماء مستعارة إلى شخصية كيركجارد نفسها. يعقّب د. إمام عبد الفتاح إمام بقوله أنّ كيركجارد كان مزيجًا غريبًا من صفات متناقضة، صفات تجمع بين الاحترام والاحتقار، التوقير والازدراء، المزاج السوداوي والهزل، فرغم المزاج السوداوي الذي أنقض ظهره، كان يبدو أمام دائرة معارفه وأصدقاءه المحدودة شخصًا ساخرًا مرِحًا، وكان يصف نفسه بأنّه يانوس، إلـه البوابات عند الرومان، صاحب الوجهين القائم على فتح البوابات الرئيسية الفاصلة بين عالمين، عالم النور وعالم الظلّ. أراد كيركجارد التعبير عن وجوده الحقيقي من خلال أشخاص يتبدّلون من حالٍ إلى حال، ومن مزاج إلى مزاج، فدفعه تكوينه الشخصي إلى العودة إلى ذاته وتشريحها، ليجمع كل جزء ويصنع منه كيانات مستقلة تقوم مقام البُدلاء (يوحنا كليماكوس، القاضي فيلهلم، يوحنا المُغوِي، قنسطنطين قسنطينوس، إلخ)، ومن ورائهم القُطـب (سورين كيركجارد).

***

بعد وفاة كيركجارد بثلاثة عقود، وتحديدًا في 13 يونيو 1888 ولِد الشاعر والكاتب البرتغالي فيرناندو بيسوا، الذي استلم راية البُدلاء، مُطورًا مسيرة كيركجارد في اتجاه أشدّ جــرأةً. يفرّق المـتـرجم والشاعر اللبناني اسكندر حبش في مـقـدمـة كتابه “لـستُ ذا شـأن” (منشورات الجمل 2015)، الذي يضمّ شذرات من أعمال بـيـسوا النثرية، والتي عُــثر عليها في حقيبة كبيرة بعد وفاته (ضمّت سبعة وعشرين ألفًا وخمسمئة وثلاثة وأربعين نصًا غير منشور، وكأنّ الرجل كان يكتب لنفسه!)، أقول يفرّق حـبـش بين العمل المكتوب باسم مُستعار، بمعنى عمل الكاتب بشخصه لكن ينقصه اسمه الحقيقي، وهي ظاهرة قديمة وشائعة في الأدبين العربي والغربي وبين الأدب البديل، أي أدب الكاتب خارج شخصه، وهو أدب فرد مُختَرع من لدنه بشكلٍ كامل، على نحو ما نرى في حالة كيركجارد وبدلاءه، وبشكل أكـثر تطرّفًا وأصالةً في حالة بيسوا، حين يصير الكاتب شخصًا آخر، شخصًا يقوم برحلة داخلية، أو بدراما داخل أرواح الناس وفقًا لتعبيره.

معروف أنّ غرائبية بـيـسوا مرّدها إلى أنّه لم يكتفِ بابتكار أسماء مُستعارة ليختبيء وراءها، فاختار لبدلائه التخيير لا التسيير، ومهّد لهم الطريق لكي يسلكوا دروبهم في الأدب والحياة بحرية كاملة، وباستقلال تام. الطريف أنّ بـيـسوا أرجع اختراع هذا الشكل الفنيّ الغريب إلى نُدرة الأدب الحقيقي أو ربما ندرة الأدباء الحقيقيين: “بالنظرة إلى نُدرة الأدب الحقيقي، ماذا بوسع رجلٍ على قدر من الحساسية أن يفعل سوى أن يبتكر أصدقاءه، أو على الأقل رفاقه الفكريين؟” (فيرناندو بيسوا: رسائل ونصوص، الكتب خان 2017، ت: وائل عشري).

كتب بـيـسوا سِيرَ أبداله الذين صاروا أندادًا فيما بعد، وسجّل شهادة ميلادهم في يوم واحد، هو 8 مارس/آذار 1914. أمات بيسوا بعضهم، وأحيا آخرين، ثمّ أبدل الناجين منهم محل مَن ماتوا لمواصلة اللعبة. نسج ظِلالًا بقلمه ورفعها لــتـجـلس مكان الشمس، فبلغ عدد البُدلاء/الأنـداد اثنين وسبعين بديلًا/نِـدّاً كما يشير خبيره ومـتـرِجم أعماله ريتشارد زينيث.

البُدلاء المعروفون هم آلبرتو كايرو، ريكاردو رييس (كتب خوسيه ساراماجو رواية عن قصّة حياة هذا البديل)، آلفارو دي كامبوس، رافاييل بالدايا المنجّم طويل اللحية، والبارون تيف. يقول حبش أنّ البُدلاء /الأنداد كانت قضية حياة بيسوا الكُبرى، فرغم أنّ شخصياته الأدبية كانت مُخترعة، إلا أنها كانت – في الوقت ذاته- كائنات نابضة بالحياة بكل معنى الكلمة، بل أنّ بـيـسوا قفزَ قـفـزات هائلة في الفراغ لكي يجعل البدلاءَ المُخترعين، معارضين لفكره، ناقدين لأسلوب حياته، بل مُنكرين لوجوده من الأساس. يقول أحد البُدلاء، وهو آلبارو دي كامبوس: “فيرناندو بـيـسوا إن تحرّينا الدقّة، غير موجود.” (فيرناندو بـيـسوا: رسائل ونصوص، سابق).  

***

يشير الشيخ الأكبر مـحـي بن عــربي في الجزء الأول من الفتوحات المكّية (فتوحات1/160) إلى مصطلح  البُدلاء/الأبدال وهو اصطلاح شائع عند أهل العرفان. يـفـسّر ابن عــربي أصل التسمية: “سُمّوا أبدالًا لكونهم إذا مات واحدٌ منهم كان للآخر بـدله، وقيل سُـمـوا أبدالًا لأنهم أُعطوا من القوّة أن يتركوا بدلهـم حيث يريدون، لأمر يكون في نفوسهم على علمٍ منهم”. وفي كتابه حُلية الأبدال (دار المحبة – دمشق 2002) يواصل الشرح: “سُـــمّوا ذلك لأن لهم قدرة تبديل نفسهم بشبيه، بينما يتنقلون في أماكن أخرى كالأشباح”، مستندًا إلى حديث نبويّ عن الموضوع نفسه. البُدلاء هنا ظِلال لأصل واحد، ولإنه أصـلٌ زائل، فهو يتركُ وراءه أشــباهًــا مساويةٌ له في القوّة دائمًا كما في حالة كيركجارد، ومضادةٌ له في الاتجاه أحيانًا كما في حالة بيسوا.

في أواخر حياته وضع ابن عــربي كتابًا صغير الحجم بعنوان العبادلة (دار الكتب العلمية بيروت-2004)، اخترع فيه أسماء عشرات العارفين، ابـتـكـر أسماءهم وكنياتهم، وأوردَ على ألسنتهم شذرات أدبية، يعدّ ابن عربي بهذا العمل من أوائل مُطوّري فكرة البُدلاء في قالب نثري متكامل. اللافت أنّ أسلوب الشذرات الذي استخدمه كيركجارد لنقل أفكاره هو الأسلوب نفسه الذي استخدمه بيسوا في أعماله الشذَرية، وهو ذات الأسلوب الذي كتب به محي الدين بن عربي كتاب العبادلة. واتفق الثلاثة على أن يعيش الأصل (كيركجارد- بيسوا- ابن عربي في أواخر أيامه) في الظلّ.

يقول أحد بُدلاء محي الدين بن عربي واسمه (عبد الله بن يوسف بن عبد البصير): “ظِـلّ كل شخصٍ على شكله فلذلك يصحّ أن يُـنسبَ إليه، لإن الظلال تـستــتر بأشخاصها، لئلا تـــتـقـدمها الأنـوار، فلا يكون لها وجود”، ويقول بـديلٌ آخر اسمه (ابن إدريس بن عبد الملك):” الــنـور حـجـاب، وبالظـلّ تـــقــع الراحة”.

*****

خاص بأوكسجين


روائي وقاص من مصر. من رواياته "البساط الفيروزي: في ذكر ما جرى ليونس السمّان"" 2017، و""ماضي"" 2017."