افتراس
العدد 252 | 07 آذار 2020
عبد النبي فرج


 

افتراس

ستقضي علي بنت الحرام، نعم ستقضي علي بجنونها ورغبتها المدمرة، بهذا اللهيب الذي تغمرني به، دون أي اعتبار لسني. لقد تجاوزت الواحدة والستين، ولم أعد أحتمل كل هذا الإنهاك المدمر، لا بل إن خاطراً  يتبادر إلى ذهني يجعلها أشبه برسول موت، سيأخذ روحي بطريقة شيطانية، ساخرة. أطرافي متجمدة وخالية من الحياة حتي أنني شرطت جلدي بموسي ولم ينز دماً. صقيع يجتاحني في قيظ الصيف، واستغرق فترات طويلة في النوم، أكون فيها شبه ميت. ولم يعد لي أصدقاء لأقصّ عليهم نكبتي، ثم ماذا كنت سأقول؟ زوجتي أم أولادي أصابها سعار جنسي وهى فوق الخمسين! 

من ظلت طوال عمرها تنكد علي ببرودها ونظرتها للجنس باعتباره سلوكا شائنا مهينا، وأن جسمها غالٍ، فأنا  لم أمارس معها الحب أبدا في الضوء،  تفرض عليّ الظلام، وتجعلني أمارس الحب مع شبح، ثم أصابها مرض يصيب كبار السن إذ بدأت ذاكرتها تتآكل وتنسى أشياء مهمة مثل الطعام على النار، أو أسماء أولادها، فعندما تنادي على سالم، فتبدأ بمحمد، ثم حسين، يا علي يا واد أنت يالي تتغم في بطنك، أو تقول لي هو أنت اسمك إيه؟ حتى أصبحت مادة للتندر والسخرية، وفي يوم كنت على المقهى أدخن النرجيلة، وعندما عدت ودخلت الغرفة وجدتها ترتدي قميص نوم “موف” وتضع أحمر الشفاه، لم تكن تضعه بشكل جيد وبدت أشبه ببلياتشو حقيقي، وعلى وجهها ابتسامة مشرقة، وهي تدور حول نفسها. لم تكن رشيقة فدورانها مدعاة للرثاء. استغربت! ورغم ذلك أعجبني الأمر، فقد جاء اليوم الذي سأعاشرها في النور، وقد ضممتها إلي وقلت: لن تكبري يا بنت الإيه؟ خلعت ملابسها فبدت كماسة، انخرطنا في الممارسة تألقت فيها بشكل مروع، قامت بأفعال جنونية أخرجتني عن عقلي وكانت تخرج من فمي ألفاظاً فاحشة فيزيدها ذلك شبقا وجنونا. مارسنا الحب وكأننا مراهقان وعندما انتهينا، لم أستطع أن أقوم للاغتسال ونمت في الحال، قبل أن تخرج  من الحمام.

 وفي الصباح كان جسمي ممزقاً، و مكتئباً، وهذا يحدث لي دائما عندما أنام بدون اغتسال. أخذت دشاً بارداً واسترخيت ثم وجدتها تدخل علي بالفطور، وقد كان عسلَ نحلٍ وبيضا بزبدة وقشطة، وهي ترتدي روباً مثيرا، وترفع نهديها بمشدٍ. كان هذا فوق احتمالي، لم أستطع الكلام، وظلت تنظر إلي في شغف وحنان، حتي أنني أسرعت في التهام الطعام كي أبتعد، لم أكن معتاداً على هذا الإسراف العاطفي، ولكنني كنت سعيداً ومشبعاً بالفرح، وعندما وصلت الغيط وجدت الأولاد يعملون في الأرض كالعادة، ولأن طبيعتي لم تعتد البطالة فقد كنت أساعدهم في الزرع والقلع، فالذي تربي على الشقاء لا يعرف الراحة، ولكن اليوم لم أستطع، كانت بي رغبة في النوم، كنت خاملاً جداً، شربت شاياً ونمت في الخص حتى ميعاد الغداء، ثم أكملت حتى العصر، وعندما عدنا في المساء وتعشينا مع الأولاد دخلت غرفة النوم فوجدتها تغلق الباب وترتدي الروب وتتعطر، ثم نامت بجواري على السرير وأخذت تتمسح بي كلبوة. أخذت أقبلها وأمرر يدي علي ثديها ولكن لم تكن بي رغبة، ما هذا الجنون؟ وظلت فترة طويلة تثيرني حتى مارست معها الحب، والغريب أنني استمتعت فعلاً! في اليوم الثالث وجدتها أيضاً تعاود الكرة، قلت لها لا رغبة لدي ماذا حدث؟ قالت: أنا زوجتك ولم تقترب مني منذ شهور؟ ما الذي حدث؟ قلت: نحن مارسنا الجنس مرتين أمس. وأول أمس؟ بدا عليها الحزن والانكسار وقالت: لم تعد تحب جسمي مثل زمان؟ أكيد فيه واحدة غيري، قلت أبداً والله، أقسم لك ما في الكلام ده خالص؟ نحن كبرنا وبيننا عشرة ويللا حسن الختام، قالت: لم أكبر أنا يدوب عندي 17 سنة، أنا لسه كتكوتة شوف، أخذت تدور حول نفسها ثم مدت يدها وعلى وجهها علامة الشقاوة والإثارة ومسكت خصيتي وأخذت تفرك فيها؟ شوفت! فرغتهم فين؟ ورب الكعبة فيه واحدة غيري! انفعلت عليها وارتفع صوتي فأخذت تبكي، صعبت عليّ، المشكلة أنني أحبها فهي زوجتي ولن أسمح لنفسي أبداً أن أجعلها مكسورة أو مهزومة أمامي؟ أخذت أطبطب: أنت أكيد نسيتي فقط يا حب؟ إحنا عملنا كذا وأخذت أحكي لها، فقالت: خلاص خليها اليوم فقط وبعد كده اختار لك اليوم المناسب، قلت حاضر، لم أكن لدي القوة ولذلك ذهبت للصيدلية وأنا خجل فأنا لم أستعمل الكيميا أبداً في العلاقة الجنسية ولكن ما باليد حيلة، طلبت من الصيدلي برشامة فقال لي: عندك القلب؟ قلت: أبداً ولكن ربنا يستر! أخذت الحبة وطلبت كوب ماء من الصيدلي.

وعدت وقد بدأت أستعيد قوتي وطلبت منها كوب شاي وظللت أشرب في هدوء وهي تجلس أمامي وكأنها ستحلق لي، وهي متوهجة وخدودها موردة وكأنها لفتاة صغيرة، الحق أقول: كانت تحفة فريدة، كيف غيرت جلدها، كيف انبثقت من جسدها القديم لتتألق كماسة فريدة في أواخر عمري، حيث ضمرت الصحة وأصبحت فقط أعد أيامي للقاء الكريم. بعد أن انتهيت من شرب الشاي التحمنا كذئاب مفترسة نهاجم بعضنا نخمش أجسادنا بأظافرنا نعض، ونضم جسدينا بقوة، نقبل بافتراس، يلتف جسدانا كحيات متوحشة، حتى أنهكنا، وعندما انتهينا خرجت بعرقي وفتحت الدش وظللت واقفاً، حيث تتدفق المياه فوق رأسي وأصوات تمخر داخل رأسي كموج البحر الذي يعصف بالشاطئ. خرجت مرهقاً، ولحقت السرير وتمنيت من المولى أن أصاب بالبرد، حتى أنام في السرير وأشبع من النوم، ولكن هذا لم يحدث، فقد قمت بشكل عادي، وفي اليوم الرابع وجدتها تلعب اللعبة المجنونة نفسها. فقلت آسف أنا لن أستطيع أبداً معاشرتك هذه الليلة وجدتها تزوم بغضب فتركتها، وسحبت البطانية عليّ وأغمضت عيني لأنام ولكن صوتها جنني، فقد كانت تولول تقريباً على حظها العاثر، ثم قالت بصوت لا لبس فيه: حظي العاثر أوقعني في زوج عنين، بارد، سافل، فماذا تفعل الحرة؟

كانت هذه الكلمات كسكين في الجنب، أزحت البطانية وقلت: إنتِ بتقولى إيه، وصفعتها على وجهها، فسقطت على الأرض وقد أطلقت صواتاً، ووجدت أولادي يدقون على الباب، سحبتها وهي في حالة يرثى لها وأنمتها وغطيتها بالبطانية، وواربت الباب بم يسمح لرأسي بالمرور وقلت: أمكم تعثرت وسقطت لكن الحمد لله، جت سليمة. أغلقت الباب وصالحتها وحاولت فعلاً أن أمارس معها الحب ولكن لم تكن لدي رغبة وكنت أشعر بالقهر وأن لا حيلة لي وأنني مساق كعبد أو كفحل جاموس، شعور لا إنساني أخذت أعبث بنفسي ولكن كان مجرد جلدة.

خرجت إلى الصيدلية وطلبت برشامة أخرى، فنظر إلي الصيدلي نظرة تعجب وقال: الاستعمال المتكرر مش حلو! لم أرد عليه، أخذت الحبة وبلعتها بريقي وعدت للبيت. عندما رفعت البطانية من على وجهها وجدتها مشرقة بابتسامة سعادة جنونية، قامت واعتلتني، وأخذت تقبّل فيّ حتى تحرك القضيب وأولجته داخلها، وعندما انتهينا كانت في غاية السعادة.

 وفى اليوم التالي أخذت تناغشني وتقول لي روح الصيدلي يا أبو سامي مع إننا لم يكن لنا ابن اسمه سامي، كادت روحي أن تخرج فتركت البيت وسرت في الشارع حتى وصلت لمقر الإسعاف وهناك مصطبة جلست عليها وركنت رأسي على الحائط واستغرقت في النوم، ولم أصح إلا مع صوت أذان الفجر. عدت إلى البيت، فوجدته مقلوباً علي، وهى تولول والأولاد في حيرة وغم. دخلت البيت ولم أولِ كلامهم أي أهمية، وعندما قمت من النوم وجدتها تضع أمامي طعام حمام ورز فيِ الإفطار. عافت نفسي الأكل وتركت البيت فتشبثت بي كعلقة وأخذت تبكي وتقول لي: لا تتركني، بترجاك! وكأنها ممثلة هندية في مسلسل درامي، كدت أبكي من الغم والنكد، جلست على السرير وأنا أنظر إليها والدموع تسيل من عينيها، ولا أعرف ماذا أفعل في هذه المصيبة السوداء. تركت البيت، وأمضيت اليوم في الغيط أرتب في الأمر وأنا عائد للبيت مررت على الصيدلي أخذت برشامة رغم أنه رفض في البداية، ولكني أصريت على الحصول على الحبة وعندما عدت للبيت وجدتها على هذه الحالة، مارسنا الحب برهافة ونعومة وعندما انتهينا استغرقت هي في النوم على غير عادتها.

كانت جميلة كعذراء، وبهية كدرويشة، ونقية كطفلة. سحبتها ووضعتها على حجري وأخذت أملس على شعرها، وأدلك في فروة رأسها. كنت أحب ذلك ولم تسمح لي من قبل فعل ذلك، لا أعرف لماذا؟  دلكت رقبتها ووضعت وجهها بين يدي ولويت عنقها

بقوة فشهقت وراحت في سبات أبدي.

*****

خاص بأوكسجين


روائي وقاص من مصر. من رواياته: "يد بيضاء مشعة""، و""ريح فبراير""، و""مزرعة الجنرالات""."

مساهمات أخرى للكاتب/ة: