أريد أن أغفر لمن أحببتهم وخانوني
العدد 208 | 19 آذار 2017
ديان واكوسكي


كان عليّ أن أتعلّم العيش مع وجهي

 

تَراني وحيدةً هذه الليلة.

لقد خانني وجهي مرّةً أخرى،

عاملُ الورشة الذي يَعِدُ أن يُصلِح سيّارتي

ولا يفعلُ أبدًا.

 

وجهي

 الذي يخبرني أصدقائي أنّ له طابعًا شخصيًّا جدًّا؛

وجهي

الذي كرهتُه سنواتٍ عديدة؛

وجهي

الذي عقدتُ صفقةً غاضبةً لأعيش معه

رغم أنّ أحدًا لن يحبّه؛

وجهي الذي أتمنّى لو تستطيعُ تجريحَه وتهشيمَه

وتدميرَه، قذفَه بالنابالم، رميَه بالأسيد،

علّني أحظى بوجهٍ آخر

أو أخلصُ منه أخيرًا.

 

أسحب ورائي ريشَ طاووس

كي أمحوَ أثرَ القمر. تلك الدموع

التي ذرفتها،

بغضبٍ أحيانًا،

على نفسي.

لا زيفَ في حياتي. الرجل الذي يعيش معي

يجب أن يرى شيئًا جميلًا،

حيّةً سوداءَ تخرج من فمي مثلًا،

أو أن يُعجَبَ بنسيج أفعالي، بحياتي/ بهذا الجسد، بهذا

الوجهِ، لا يملك سوى اللجاجةِ الغضوب،

سوى وجودِه المحضِ، ليعرضَهُ

أكرههُ،

أريد حياتي أن تكون أكثر.

أكره ظلالَه حتى على كلماتي.

أبيع روحي مقابل سِبَاكةٍ جيّدة

وسخّانِ مياه،

أقول للجميع؛

ووجهي ناعم،

حجر أوبال،

ثلجٌ يتهافت كالريش

على

المعطف الجلديّ الأسودِ الباردِ

الذي هو الليل.

أنتَ،

هو الليل،

وجهي يتهافت على امتداد ظهركَ

القارس.

تعلُّمُ العيشِ مع ما تولد به

هو الشُّغلُ،

الانشغالُ،

السعيُ لخلقِ حياة.

ولم أتعلّمْ بسعادةٍ

أنْ أعيشَ مع وجهي،

مع ديان التي تبدو دائمًا أجملَ في فيلمٍ

منها في الحياة.

آخذُ عابسةً هذا الوجهَ الجامدَ،

وأكره كلّ لحظةٍ في ذلك العبوس.

 

أريد أن أضحك على هذا الوجه السخيف

المؤلّفِ

من قشرِ ليمون

وزجاجات خَلّ

من طرقٍ غيرِ مرصوفة

وخزائنِ ملفّاتٍ يعلوها الغبار

من وحشة وول ستريت في الليل

وخواءِ مدرسة في إجازة.

إنمّا سيلزمني أن أضحك وحيدةً في غرفةٍ باردة

أُفضّل الغضبَ

فهو يمنحني، على الأقلّ، ولو للحظةٍ، مظهرَ المزهوّ بنفسه

لطالما حسدتُ

مُثابري العالمِ

أثرياءه

جميليه

وموهوبيه. لقد شهِدتُ

نفسي

تظلّ

وحيدةً

منعزلة

سمكةً سبحتْ عبر الشبكةِ

لأنّني جِدُّ صغيرة

لكنّها ظلّت وحيدةً

في الأعماق حين الأُخريات عَلقِنَ

وأُخذن بعيدًا.

إنّه لمؤلمٌ لي أن أفكّر الآن،

أن أتحدّث عن هذا؛ أريد أن أغرق في النوم فلا أصحو أبدًا.

في أغطيةِ صوفٍ على سرير أجد الدفء الوحيد الذي أشعر به.

لكن الشفقة على الذات يمكن أن تلحقنا جميعا، تجرجرنا معها في باطن

الأحذية كحلزوناتٍ مدعوسة فلا يعود في وسعنا

القتال/ وإنّه الغضبُ ما أريده الآن، جامُ الغضبِ،

كي أصبّه على وجهي ومؤلّفِ وجهي،

كي أخبرَه كم أكره ما فعله لي،

كي أرغمَه باحتقارٍ، بصرامةٍ، بوحشيّةٍ حتّى، على أن يعيشَ

مع ذاته،

أن ينظر إلى ذاته كل يوم،

ويذكّرَ ذاتَه  

أنّ الواقع هو

تعلُّمُ العيش مع ما تولد به،

شرفُ أن تكون أيَّ شيءٍ إلّا أن تكون مهزومًا،

أنّ الكبرياء والغضب والصمت ستبقينا عاليًا فوق الجمال

حتى لو انحنينا كثيرًا بعناءٍ كثيرٍ لأجلِ

جمالٍ قليل،

لأجل كلمةٍ، كالليلة الزرقاء،

ليلةَ تغطّي الخواتمُ الأرضَ متألّقةً

في النار، في الماء، في التُّرْبة الرطبة، في عمر الأغنيات،

في القيتارات، في حمولةِ باصٍ ملأى بوجوهٍ قرميديّةٍ حانقة. في جذوعٍ متشابكةٍ

لشجرةٍ هَرِمة، في أيّ شيءٍ له جمال الحطبِ، خشبِ السّاجِ، الليمونِ، الكرزِ

لقد خسرتُ أطفالي لأنّه لا مال عندي، ولا زوج،

وخسرتُ زوجي لأنّه يعوزني الجمال،

ولحظةَ شارفتُ

أن أصيرَ امرأةً

خسرت كلَّ شيءٍ تريده امرأةٌ، وتحتاجه،

يتلألأ وجهي منبسطًا كصفحة القمر

دون ملامح.

 

أطالع صوري وأنا صغيرة.

أبدو، مثلَ عجينةٍ، كتلةً خرقاء، غيرَ متشكّلةٍ،

وكان من واجبي البشريّ

أن أبدع عقلًا، أشتقَّ وجها،

أصنعَ شكلًا بذراعين وساقين، وأضعَ صوتًا داخله،

وأن أختلق شخصًا من وجود.

ولا أعتقد أنّي نسيجُ وحدي.

أظنّ ألفًا منكم، على الأقل، يمكنهم النظر إلى تلك الصور القديمة،

متأمّلين كلٌّ في حياته

ومبتدعين خلال ذلك منحوتاتكم الخاصّة.

 

لقد ألّفت وجهي معنيّةً بالتفاصيل قدرَ ما أستطيع

وانتهيت إلى وجه عجيب بجسرِ أنفٍ

كبير، وعينين صغيرتين، ورموشٍ باهتة،

وشفاهٍ رفيعة، وخدّين عريضين، وذقنٍ منحوتٍ من الصخر.

لكنّه شبهُ جميل مقارنةً بكتلة العجين الخرقاء

التي بدأتُ بها.

 

أتساءل كيف نتعلّم العيشَ

مع وجوهنا؟

لا بدّ أنّها تخبّئ أخاديدَ دمٍ عميقةً وكثيرة،

ألمًا عظيمًا،

لو قدّر للناس أن يروه

لارتعبوا وهربوا بعيدا. مغالبةُ الألمِ

ترسم تفاصيلَ الوجه.

وماذا عن أولئك الناس

بشفاهٍ مكتنزة وأنوفٍ أنيقة؟

 

ما الذي يغالبونه حياتَهم كلَّها؟ وفي سبيل ماذا؟

 

هل أنا خاطئةٌ إذ أسأل نفسي باستمرار

أن تقدّرَ الجَهْدَ أكثرَ

من الثمرة،

 

أم أنّني لا أريد أن أعترف بجمال وجهٍ

ما لم يُجترحْ بمكابدة الحياة؟

 

أهيم في وجهي وحيدةً هذه الليله؛

أريد أن أغفر للرجال الذين أحببتهم

وخانوني.

 

فأعظم الخائنين، في النهاية، هو ذاك الذي أحمله كلّ يوم،

أنام معه كلّ ليلة. وجهي،

بناءٌ غاضبٌ كافحتُ لترميمه

صابغةً إيّاه بالتيه والغرور، بالسخط والازدراء.

أن تحبَّ هذا الوجه

يعني أن تحبَّ جبلًا في صحراء،

قاتلًا، صخريًّا، شحيحَ الماء، ولا أشجارَ في أيّ مكان/

ربّما لا أتوقّع أحدًا

على هذه الدرجة من الغرابة ليحبَّهُ؛

إلّاك.

 ***

 

رقصًا على قبر ابن قحبة

 

اللعنة،

أقلَّها سأرقص على قبرك،

أيّها العجوز؛

          لقد دُسْتَ على ظلّي غيرَ مرّةٍ

وخُنتني مع أخريات،

نسوةٍ رخيصات وتافهات، يدفعني للجنون لمجرّد التفكير أنّه ممكنٌ

 ولو مرّةً

أن أصنّف معهنّ

ما أكثرَ ما تركتني وحيدةً في السنين الفائتة حتى صار حالي

حالَ فلّاحة في ألاسكا،

وهجرتني، رميتني خارج حياتك

بما يكفي لأشبه جريدةً،

تُرمى بصورة مختلفة كلَّ يوم.

والآن رحلتَ للأبد

ولا  أدري لماذا

لكنّ رحيلَك جعلني في الواقع بائسةً

بؤسَ دودةِ وحلٍ

بلا وحل،

عدا أنّي زحفتُ الآن خارجةً من حيث دُسْتَ عليّ

وشيئًا فشيئًا سأنهض أطولَ كلَّ

يوم.

لقد تعلّمتُ أن أغنّي أغنيات جديدة،

وإذ أغنّي،

سأرقص على قبرك

لأنّك

          ميّتٌ

          ميّتٌ

          ميّت

تحت التراب مع باقي المُنْتِنين،

سأزرع ستَّ الحسن

على تلعتك المعشبة،

وسأحرص على أن تنمو حولها نبتة شوكران.

نبتة السيكران لا تليق بمثلك،

لكنّني سأترك لقليلٍ منها أن ينمو لأجل رقصةٍ محكمة

لأنّنا نريد الرقص،

نريد الغناء،

نريد أن نطوّحَ بهذا العجوز الهالك

للذئاب،

على أنّها أجملُ بكثيرٍ منه، تعوي متناغمةً

مع بعضها.

                    لذا سنغنّي أنا وبعض الذئاب البيضاء

على قبرك، أيّها العجوز

وسنرقص فرحًا بموتك.

“أهذا تعبير عن الغضب؟”

                   “لا، بل عن الانتشاء.”

“هل ستشرق الشمس من جديد؟”

                   “نعم

                   ونعم

                   ونعم،”

                   لأنني سأرقص وأرقص وأرقص

على مثال دنكن[1]، ولحن بِندار[2]،

إيقاعِ لوركا، ونغمةِ كريلي[3]،

مزاميرِ ستيفينز[4]، ورقصةِ موريس[5]

أوه، سيطلق الشعراءعلى اللحن اسمًا

أمّا أنا قسأرقص، أرقص، أرقص

على قبرِك، قبرِك، قبرِك

لأنّك ابنُ قحبة، ابنُ قحبة،

وقد حاولتَ تحطيمي،

عبثًا حاولتَ تحطيمي، عبثًا، عبثًا

كنتَ كاذبًا بطريقة لا يعرفها سواي:

تركب خردةً وتسمّيها درّاجةً ناريّة

تتكلّم لغةً ميّتة

وتكتب بقلمٍ لا حبرَ فيه،

كما أنّك سبّاكٌ سيّء.

كنتَ خسيسًا معي

ونجوتُ منك،

عليك اللعنة،

أقلَّها سأرقص على قبرك،

أيها العجوز،

سأتعلّم كلّ رقصة شعبيّة،

كلّ حركة إيقاعيّة،

وأرقص أرقص أرقص على قبرك

                             خطوةً واحدة

لكلّ مرةٍ

آذيتني فيها.

______________________________________

  سلمان الجربوع: شاعر من السعودية، صدر له “محاولة حائط للتعبير عن قلقه”، دار طوى 2016

[1] Isadora Duncan (1978- 1937) راقصة أمريكية

[2] Pindar شاعر إغريقيّ

[3] Robert Creeley (1926- 2005) شاعر أمريكيّ

[4] Wallace Stevens (1879- 1955) شاعر أمريكيّ

[5] رقصة إنجليزيّة شعبيّة

*****

خاص بأوكسجين

[1] Isadora Duncan (1978- 1937) راقصة أمريكية

[2] Pindar شاعر إغريقيّ

[3] Robert Creeley (1926- 2005) شاعر أمريكيّ

[4] Wallace Stevens (1879- 1955) شاعر أمريكيّ

[5] رقصة إنجليزيّة شعبيّة


شاعرة أميركية (1937 - )