أدلق الضوء في التجاويف الخفية
العدد 206 | 07 شباط 2017
ماي فان فان


“الشعر روحي وروحي متصلة بكل شيء.” هكذا يصف الشاعر الفيتنامي ماي فان فان شعره في مقابلة أجراها معه رايموند كين عن طبيعة نصوصه الشعرية. وهذا ما نلاحظه في ضمير الأنا أو الـ “هم” لدى هذا الشاعر ،فالأنا قد تعني أي شخص آخر والآخر قد يعنيه تماما وهي قد تقارب الشعر الصوفي من ناحية التوحد بين الذات والآخر إلا أن الآخر هنا ليس المحبوب الخالق بل هو الخلق بأكمله. وهكذا فكر موجود في أحاديث بوذا الذي يظهر أثره في نصوصه ايضا، يقدم ماي الواقع ككلٍ متكامل يقول مثلا في نصه “صباح العام الجديد” “وجدت جورب طفل/ ناعم/ كثمرة ” وختام المقطع أو الهايكو يجعلنا نعيد التفكير فيما قبله، نرى الصورة الواقعية اليومية الجورب وكيف تلبسته الحياة لا لأنه يذكر بالطفل فقط بل وبجمال نضج الطفل ونموه كثمرة لقطة شعرية تربط بين الذات والطفل والطبيعة بحالة تأملية متفائلة. وحالة الصدمة أو المفارقة واضحة في الكثير من مقاطع نصوصه وتتقاطع مع تقنيات القصة القصيرة رغم نحوها المنحى الشعري حيث يقول مثلاً “ينزل من أعلى الجبل ليحمل الماء إلى النباتات/ وحين يعود من جديد إلى ساحة المعبد/ تمطر” هو بصري بامتياز إلى أنه يمزج الواقعي بالواقعي أحيانا بشكل خيالي فيقول “لم يأتِ الربيع بعد/تتساقط أزهار الخوخ/ ورقة ورقة” في نصه “آخر يناير” ولا يكتب فان النصوص القصيرة فقط بل له مطولات شعرية أيضا تحمل ذات الخصائص التي تبعث على الأمل وتمزج الواقعي بالفلسفي بالديني دون انزياح للدين والفلسفة بل عبر توظيفهما لدعم الحالة الشعرية والإنسانية. يتحدث ماي فان عن الشعر في بعض مقالاته فيقول “إنه يعيد الجمال إلى فطرته إنه الضوء الذي يبعد الظلمة، الماء البارد الذي يجعل الأرض خضراء، والعلاج الفعال للروح من الفساد”.

 

1-اغتسال رأس السنة

New Year Bath

 

دون الحصول على النقاء الخالص

بعد التطهر المتكرر

عدت لأغتسل مع المصباح

 

حركت كتفي تلقاء الضوء

ثم يدي

قدميّ، ذقني، ركبتي وحتى مقلتي

وسعالي الجاف.

 

أدلق الضوء في كل التجاويف الخفية

التي تنمو منها البراعم

ككير الحداد لتلطيف الحديد الساخن بالماء

كحاضنة بيض

كجدع مطعم يلصق غصنين جانبيين

 

يغتسل ليستقبل الربيع الجديد

يغمر ذاته بالضوء

وهو يستحضر صامتا الآباء والأجداد

والجسد يتصاعد جهة المصباح

 

الضوء يندلق بغزارة وأنا أهتف باسمك

كان يحلق بالجنين

حاولت أن أنادي أحدهم في الأقاليم البعيدة

والمصباح الثابت أصبح مشرقا

وأشرق أكثر

وأكثر

***

 

2-الحصاة في قاع النهر

The Rock Inside Stream Bed

 

أصمت فالماء يتدفق

بخفة، عميقا، لا نهائي وشديد البرودة على الصخرة

 

أهناك الربيع؟

قلادة زهر تتسلق الأثر

أصوات طيور تعيد ترديد القرقرة في الأسفل

 

ظلال الأشجار ترتعش على الشجرة

ظل أم شمس—

 كيف يمكن لألوان الزهور البرية أن تخلد إلى الأبد؟

تغمض الحصاء عينيها بهدوء لتسمح للماء بالتنظف من خلالها

 

قرود لانجور بأفخاذها الرمادية

جعلت ظلال الأشجار تتمايل وتصعد من جديد

المطر الخفيف الناعم

يفسد تنظيم الذباب

وهو يزحف إلى أعماق الصدوع

 

تتوقف الغيوم حيث توجد الغيوم

عبق أريجِ نُضجِ الجوافة ينتثر عبر الغابة

والشيهم* المضطرب على لحافه

يهدأ

 

فوق كل ذلك

وفي هذه اللحظة

دعنا نواصل جلوسنا

في ذات الموقع 

الذي تتواجد به 


 

نوع من أنواع القوارض

***

 

3- مرافقا  الضيف خارج الحي 

Accompanying the Guest Out of the Alley

 

بعد سكب الشاي

عندما عدت 

كان الضيف قد غادر

متحدثا بالتلفون

تقول عائلته

انه توفي منذ سبع سنوات

    سوء فهم

 

في البيت

 كلهم مضطربون

لا ذاكرة 

لوقت التقاط الصورة الشخصية

أو أين كانت الساعة الميكانيكية؟

أو لمن أهدي ابريق الشاي العتيق

المزيف؟

 

أتجول في الحي 

لأتفحص بعض أنواع الأطعمة 

بعضها ارتفع سعره

والبعض ظل كما هو

 

في البيت

ما زال الشاي ساخنا

 أقدّم الكوب جهة مكان الضيف 

الفارغ

 

بعد ستة أمتار في الأعالي

ثمة بخار مميت 

يسجد أمامنا 

بين فينة وأخرى

..                             

____________________________

Mai Van Phan

شاعر فيتنامي معاصر ولد عام 1955م في ننينا بينا دلتا النهر الأحمر في شمال فيتنام

ويقطن حاليا مدينة هاي فونج. حصل على عدة جوائز أدبية فيتنامية ومؤلف لأكثر من 22 مجموعة شعرية ترجمت منها 10 مجموعات للغات مختلفة كم ترجمت مختارات من نصوصه إلى أكثر من 20 لغة مختلفة. تحتوي نصوصه على تراث البيت الفيتنامي المضياف وثقافته التأملية في اكتساب الطاقة الإيجابية سعياً نحو التكامل حد الإشراق مع مسحة من الاختلاجات النفسية بحس شعري يتكئ على الإحالة الدينية والفلسفية ولا ينحاز لهما.

*****

خاص بأوكسجين