أختي على السجادة الحمراء
العدد 278 | 16 تموز 2023
علي سباع


كنت أشاهد عصر اليوم في إحدى القنوات السينمائية فعاليات “مهرجان كان السينمائي”، والممثلون يعبرون على السجادة الحمراء واحداً تلو الآخر، هكذا بشكل طبيعيٍّ حتى ظهرت أختي ليلى، الأمر غريب أليس كذلك! أن ترى أختك على السجادة الحمراء في “مهرجان كان السينمائي”، يسبقها جوني ديب وتتبعها جينيفر لورانس وهي تتغنّج أمام الكاميرات وتدور حول نفسها وشعرها يتطاير! توقف الزمن، وقفزتُ لأتأكد من أنها هيَ، اقتربتُ من التلفاز وأنا أصرخ في دواخلي: إنها هي. نعم هي!

ترافقها الكاميرا ثم تنتقل إلى بقية الممثلين المشهورين وتعود إليها مرة أخرى، بدا وكأن المخرج يتعمّد إظهارَ فستانها الكلاسيكي الأحمر الأشبه بتصاميم زهير مراد، بخيطين رقيقين يحملانه عند الكتفِ مع بعض الدانتيل عند الصدر، مع شعرٍ أسودٍ يلمع عكس شعرها المعتاد الذي كانت تمشّطه بمصفاط السمك لدينا في المنزل ويتقافز من بين خصلاته قملٌ ملّ من أظافرها الطويلة.

عرفتها، إنها أختي بكلّ تأكيد رغم كلّ عمليات التجميل التي حوّلتها إلى نسخة أخرى من المغنية الفرنسية إيلين سيجارا التي كان أبي يعشقها في بداية الألفية، وكان يخبر أختي بأنها تشبهها جداً لولا شعرها وبعض التمدد في ملامحها العربية، لكني متأكد بأنها ليست إيلين. كانت تمشي مشيتها الأثيرةِ التي تفسحُ فيها الخطوة حتى تبتلع خطوة في المنتصف… آهٍ منها دلّوعة البابا، تبّاً لكِ قلت، لكنها في لحظةٍ ما وكأنها استمتعت إليّ التفتت إلى الكاميرا وهي رافعة يدها تفركُ السبابة بالإبهامِ وتشير بإصبعها للكاميرا، قلتُ:

 إنها هيَ …إنها هيَ.

قفزت من الكرسيّ راكضاً ناحية المطبخ مناديا أمي، فجاءت يزحف بها الارتباك، ولم تزل الكاميرا تطلّ على أختي وهي تنسحب من السجادة راحلةً بعيداً:

هذه أختي بكل تأكيد يا أمي.

رمقتها أمي في صدمةٍ وقالت:

كيف تأكدت من أنها هي؟!
لقد رفعت يدها وأشارت بحركتها المعتادة معي، الإبهام والسبابة، تلك الحركة التي تحاول من خلالها إثارة حنقي حين يغضب أبي منّا، ألا تتذكرينها يا أمي، الإبهام والسبابة.

لقد كان آخر لقاء بيننا حين ذهبت للدراسة في فرنسا قبل أن تخبر أبي بداية بحبّها لرجل من الجالية العربية، ثم فجأة حين تحوّلت إلى الديانة المسيحية وصارت تتحدث عن الاختلافات في تقدير المرأة: المرأة لا يمكنها العيشُ مع رجلٍ لم تتعرف عليه، أمرها بيد أخوتها، لا يمكنها العمل .. إلخ، ثم اعترافها أنها قامت بتغيير تخصصها إلى النقد السينمائي، حين صرخ أبي صرخته التي لا تنسى:

والله لأرجعها بلا قدمين.

مرّ الزمن سريعاً، وها هي تعبر على السجادة الحمراء، تضع مكياجاً هادئاً مع لطخات قليلةٍ باللون الورديّ على خدّيها، الفتاةُ التي كانت حتى أيّام الثانويةِ ترتدي النقابَ وتشتمنا حين لا نقفل أغنية الإعلانات، التي تغضب من أبي حين يضع أغنية إلياس خضر، وتضع صوت العزاء لصالح الدرازي وهي تحاول النوم.

كان لا أحد في هذا العالم يعرفها غيرنا والطالبات في المدرسة. الفتاةُ الصامتةُ كأنها حين تنظر إليك تتحدث مع نفسها، والهادئة التي لا تخرج من غرفتها إلا للطعام، وفي أقصى ما سيحدث في المنزل من مشاكل تقوم بفرك الإبهام والسبابةِ نكاية بي.

لم يعد اسمها ليلى، لقد غيّرته منذ ذلك اليوم، ولم نعرف اسمها الجديد، ولا اسم حبيبها، ولا إن كانت تزوّجت أم لا، وهل تحوّلت إلى ذكرٍ أم بقيت أنثى. في بداية غيابها ناحت الأمّ حتى لم يبقَ من عينيها لونٌ أبيض. ذهبَ الأبُ إلى فرنسا وعاد خائباً، لم يستطع قطع أقدامها، كان باستطاعته ربما إعادتها بأقدامها ولكنّه كان مصرّاً على كلمته تلك، والرجل كما تعرفون لا يغيّر كلمته.

بحثنا في المواقع السينمائية سرّاً عنها، بما أنها مشت على تلك السجادة الحمراء لابد أنها مشت قبلها أمام الكاميرا. أخبرنا أخي الأصغر جعفر، وهو ماهر في التحليل الرياضي وربط البيانات والمعلومات بأنها بعد التحول إلى المسيحية بالتأكيد غيرت اسمها لشيء مقارب لليلى:

لولا مثلا!

كان ذلك واقعياً، بحثنا في المواقع السينمائية فلم نجد لها أثراً، لم يكن هنالك أي اسم مقارب لها يظهر صورتها تلك، وفكّرت أختي الكبرى المؤمنة معصومة بفكرة أخرى، قالت فلنعد إلى السجادة الحمراء من جديد، ونستمع بهدوء إلى ذلك المذيع الفرنسي وهو يردد أسماء العابرين على السجادة الحمراء، بالتأكيد سيقول اسمها:

إيلين موسى.

لقد قالها المذيع بلسانه، “إيلين موسى” الاسم الأول للمغنية الفرنسية وموسى هو اسم أبي، شعرنا بالغبن جميعاً لهذه الأصالة، والوفاء الذي جعلها ثابتةً على اسم أبي، قاله المذيع هكذا: “موووسى”.

اكتشفنا أنها ظهرت في أفلامٍ عدّةٍ منذ ثلاث سنوات، بداية في فلم قصير غير موجود على أي منصة إلكترونية بعنوان “الصمت” وهو باللغة الفرنسية، لعله كان فيلم تخرجها من الكلية.

ثمّ مسلسل كوميدي استطعنا الحصول عليه باللغة الفرنسية، لم نفهم أي كلمةٍ منه، تابعناه كاملاً ننتظر خروجها فلم تكن سوى فتاةٍ تجلسُ في الصف، ترتدي ملابس الطالبات في الثانوية، كل ما في الأمر أنها تعطي فتاةً أخرى قلماً حين يسقط وتخبرها بأن حبيبها ينتظرها في الغرفة الأخرى.

لكنها في هذا العام، حصلت على ظهور جيّد في فلم رعب فرنسيّ مترجم على إحدى المنصات الإعلامية، لم تكن طبعاً البطلة، لكنها كانت الفتاة التي يجب أن تموت في البداية بطريقةٍ مؤلمة، حيث القصة تنطوي على أن البطلة ستزور منزلاً جديداً، كما كلّ أفلام الرعب، يهبونك الرومانسية اللازمةَ لتشعر بلذة الانتظار،  ليسحبك المخرج بعدئذٍ من لذة العشق إلى تلك اللحظة التي ظهرت فيها أختي مربوطةَ الساقين ومعصوبة العينين بملابسٍ مليئةٍ بالدم. بدا وكأنها اغتصبت عشرات المرات وهي منهكة جداً ولا تستطيع الوقوف، وحين رأتها البطلة كان المجرم قادما ليذبح أختي ويأخذ أعضاء جسدها واحداً واحداً، قام لوقت طويلٍ بسنّ الأدوات وتجهيزها للعملية ونحن ننظر برعبٍ أكبر مما يمكن تصوّره، ثم قام بتقطيعها ووضعها في أكياسٍ وغادر الفيلم.

لم نكمل الفيلم. بكت أمي تبكي أختي بشدّةٍ، وكأن ما حدث في الفيلم قد حدث فعلاً لها، أما نحن الجالسون هناك برفقتها فقد قمنا بإطفاء التلفزيون والمغادرة لغرفنا دون أيّة محاولة مواساة قد تتحوّل إلى خدوشٍ لا يمكن تطبيبها بالتنهيد.

 

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من السعودية. من مجموعاته الشعرية: "بأبواب المدينة كلها"" 2011، و""نزهة الهارب ومشيئة الغريب"" 2015."