رواية “ديناميت” ذاكرة مدينةٍ متفجِّرة
رواية "ديناميت" ذاكرة مدينةٍ متفجِّرة


صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط – إيطاليا، الطبعة الثانية من رواية “ديناميت” للكاتب السوري زياد عبدالله. (وكانت الطبعة الأولى من الرواية قد صدرت عن دار المدى في دمشق عام 2012). وصفها نقّاد كثر برواية المدينة، مدينة اللاذقية السورية هنا، والذاكرة التي تقرأ مستقبل هكذا مدن إشكالية، ففي الرواية ثمّة من يريد تغيير العالم بأفكاره، وهناك من يُدفع لكي يجابهه بعنف فينكسر. إنها رواية مدينة اللاذقية في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي وصولاً إلى التسعينيات في سورية الحركة التصحيحية وصراع السلطة الدامي مع جماعة الإخوان المسلمين، والعواصف التي ضربت تلك المدينة الهاجعة على شاطئ المتوسط.

تطالعنا في الرواية حكاية سلمى الهائمة على وجهها في شوارع اللاذقية وأزقتها، والحب نعمتها ونقمتها، والرجال من حولها كلٌّ يلبي نداءه الخاص: أحمد البطم متتبعاً أفكاره المتفجرة، وغسان البراني الذي يبتلعه البحر ويلفظه فيحمل السلاح، وتواريخ ومنعطفات وأحلام وخيبات ومآثر وهزائم تمضي يداً بيد مع شخوص الرواية الكثر ليصلوا إلى الانفجار الكبير، فيندلع جيل جديد يدفع أثمان كل ما تكدّس في تاريخ اللاذقية من ديناميت وكل ما هو قابل للانفجار.

في رواية “ديناميت” طبقات تاريخية متعددة، والأثمان التي تدفع جراء الصراعات التي تحملها، تمتد وتتشابك وتورث، وكل ما تحتكم عليه المدينة من مستويات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتحول إلى عناصر درامية فاعلة ومؤثرة في مصائر الشخصيات التي لا تجد محيداً عن المواجهة كما لو أنها تروض بحراً غضوباً جامحاً، أو كما كتب عنها الكاتب والصحافيإيلي عبدو في جريدة الأخبار اللبنانية «كلّما تقدّمنا في القراءة، سنحسّ بألم اللغة، ووجع المفردات، وجحيمية المصائر».

ويورد الكاتب والناقد هيثم حسين في معرض قراءته للرواية في جريدة الحياة: «يُؤرّخ الروائيّ السوريّ زياد عبد الله في “ديناميت” لذاكرة مدينة اللاذقيّة السوريّة، وكأنّه يكتب سيرتها غير الرسميّة، التي يتمّ تجاهلها والتغاضي عنها، لأنّها ربّما لن تُرضي الكثيرين، وسيكون من شأنها إثارة الكثير من الأسئلة التي ترتبط بتاريخ المدينة التي تعجّ بالإشكالات والتناقضات». أما قراءة عامر أبو حامد للرواية في جريدة السفير فركّزت على المرحلة الزمنية الحرجة التي تسير فيها الشخوص وتأثرها بتغيّرات المدينة: «مع الحركة التصحيحية وتسلُّم بعث الأسد للحكم في سوريا وصولاً إلى أحداث الإخوان المسلمين والاضطرابات التي شهدتْها البلاد تسير شخوص الرواية، حيث تتأثّر بتغيُّر المدينة، واختفاء ملامحها على يد الشَّبِّيحة وأصحاب النفوذ».

ختاماً، جاءت الرواية في 256 صفحة من القطع الوسط.

من الرواية:

أيقنت سلمى تحت شجرة شارعٍ ينتهي بالبحر بأنها لن تراه، ولن تقول له أي شيء، وراحت بفرحٍ طارئ تتخلص من كل ما رزحت تحته، وتطردُ عن روحِها المبللة غرباناً حامت حولها طويلاً.

رفعت رأسها. تلقت بعينيها اللوزيتين المفتوحتين على اتساعهما القطرات التي تهجر الأغصان وما تبقى من أوراقٍ مصفرة، بدا لها أن دموعاً هبطت عليها من دون بكاء حين استقرت قطرة كبيرة في بؤبؤ عينها اليمنى تماماً، لحقتها قطرات متفرقة تلقت إحداها بفمها لتتذوق طعم مطرٍ لم يفارق أسبوع حيرتها المتوحشة، ولم يرحم رغبتها بتجفيف كل شيء، وإلقائه بعيداً عنها كالخبز اليابس.

تحسست ساعتها الرجالية فوجدتها بعيدة عن معصمها، بذلت جهداً في استخراجها من تحت صوف كنزتها ومعطفها المطري، وما إن استقرّت على معصمها حتى ثبتت نظرها بترقبٍ على عقرب الثواني، تتعقبه مشيّعة الدقيقة التي شارف على إكمالها، ومع دخوله دقيقة جديدة قرأت الوقت الذي كانت فيه:

إنها السادسة وعشرون دقيقة!

دقت ساعة الهرب، أدارت ظهرها للبحر ومضت في طريقها اليومي، وعبارة واحدة تتردد في رأسها: بكرا بحكيلو كل شي.. كانت تكررها وتؤكد عليها لتطمئن من أنها ستفعل ولن تكون كما هي اليوم.

كانت السماء ما زالت متجهمةً ومستعدةً تماماً لمواصلة أمطارها، وعلى أطراف شارع “بورسعيد” تكوَّنت سيول صغيرة متدفقة لم تُبقِ شيئاً إلا وجرفته. كان المارة في تزايد، طلاب وعمال وجنود وموظفون، حافلات وسيارات، وشاحنات تعلَّق بها عمال المرفأ وهم على صهوة دراجاتهم؛ يد تمسك بهيكل الشاحنة والأخرى مثبتة على المقود، بينما الأرجل ثابتة ومستسلمة للراحة، وسلمى على ثبات وجهها الرقيق وقد علته حمرة من صفعات رياح باردة كانت تقاوم صعودها المعاكس لكل من تصادفهم وهي لا تلوي على شيء.

بخطوات متسارعة وإصرار على ملاصقة الجدران والاحتماء بالشرفات وواقيات المحلات من مطر متوقف، واصلت سلمى مشيها واجتازت بقفزات رقيقة البحيرات الصغيرة المتجمعة عند مفترق الشارع الذي يتقاطع مع شارع “بورسعيد”، وفي اللحظة التي اختفت فيها الجدارن والشرفات وانكشفت السماء من فوقها، عاودت الأمطار هطولها بغزارة مؤلمة، ما دفعها لنزول درجات حجرية متلعثمة كانت على يسارها والاحتماء بقوس النصر الروماني بكل جلاله ووحشته وقد استقرت في جوفه الرطب تحاصرها الأمطار.. امرأة وحيدة تقف في منتصفه تماماً، تتلاعب الريح بشعرها. يداها في جيوب معطفها وجذعها محني قليلاً للأمام، تتلقى رائحة الخبز القادمة من مخبز قريب ممزوجةً برائحة تربة حمراء هجرها العشب، لتملأ جسدها وتجتاح روحها الصغيرة.

تفقدت ساعتها، غرقت مجدداً في دوامة عقرب الثواني وهو يجهز على دقيقة ويمرر أخرى، وكلما رفعت بصرها عنه شعرت أنها تحت الأرض، في بقعة تخصها وحدها، في بيت تمر به يومياً ولا تدرك أنه بيتها، وها هي تزوره للمرة الأولى، بيت بأربعة أبواب هائلة، مفتوحة على الجهات الأربع، سقفه سماء حجرية لا يعكر صفوها إلا الطحالب، والأعمدة متوَّجة ومزخرفة ومتآكلة، إنه بيتها الآن ولا ينقصه إلا رغيف، رغيف لا يفصلها عنه إلا أمتار، أمتار قطعتها بالقفزات نفسها وهي تعبر البحيرات.. نار الفرن، سخونة رغيف تتلقفه وترمي بليرة وتمضي، والفران يصرخ:

–  وين رايحة خدي البائي؟

البائي..البائي..الباقي ظلت الكلمة تتردد خلفها محيطة إياها بصدى من اختراعها وهي تقفز مجدداً في لجة قوس النصر لتلتهم رغيفاً، وتخرج منه، ومطر خفيف يرافقها، تمشي كما لو أنها تركض، وشيء معتم يلاحقها، أكثر من ظل وأقل من غيمة، شيء له قامة غموضها وبأضعاف مقاساتها، وله إن وقع عليها أن يفتتها، أن يحيلها إلى الوحل الذي يغمر الشوارع التي عبرتها.

لم يكن في حوزتها هذا الصباح المبلل إلا الدهشة كبديل عن الحيرة والحزن والطيبة، واستقبال ما تراه يومياً كما لو أنها المرة الأولى. كانت امرأة أخرى من التهمت الرغيف، وقوس النصر كان مشدوداً بسهم أصاب قلباً جديداً لامرأة ولدت للتو من خطواتها المسرعة، لا بل إن الأعمدة الرومانية مقابل مدرسة “عدنان المالكي” بدت أعجوبة صباحية لم تر مثيلا لها، دفعتها لتتخيل ما كانت عليه اللاذقية منذ أكثر من ألف عام، وهي تصل بين قوس النصر والأعمدة بأبنية تشبهها وقناطر ونباتات متسلقة وشرفات لا تطل منها إلا أصص ورود متفتحة، وأزمنة غامضة تجهلها ولا تملك حيالها إلا تقليد ما أمامها، وما تمر به يومياً في طريقها إلى عملها. لقد كانت على مقربة من جنةٍ طارئة، ومدينة خالية من البشر، وممرات حجرية لها وحدها، وكل ذلك في مهلة هشة أحست أنها سرعان ما تنقضي وتهاجمها الغربان من جديد.

 

زياد عبدالله:

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحرّرها. صدر له، بالإضافة إلى «ديناميت»: «كلاب المناطق المحررة» (رواية، 2017)، «الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص» (مجموعة قصصية، 2016)، «محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي» (ترجمة، 2016)، «طرق الرؤية – جون برجر» (ترجمة، 2017)، «بر دبي» (رواية، 2008)، «ملائكة الطرقات السريعة» (مجموعة شعرية، 2005)، «قبل الحبر بقليل» (مجموعة شعرية، 2000).