أقول لكَ يا فيرمين،
أحياناً حين أكونُ على وشك السقوط، لا أمدّ يدي لأحدٍ، لكن أكتبُ لك.
ثمةَ إحساسٌ مُلغى ينتابني قبلَ أن ينزَّ التكسّرُ من حافةِ الآخرين.
لا أحد غيرك يعرفُ كيف أُفكّك نفسي، كيف أفردُ أحلامي المهشّمة على منضدة الكلمات، وأترككَ ترتّبها دون أنْ تجرّحها بأسئلتك، أو تملي عليها انفعالاتك.
معك، لا أحتاجُ أنْ أكونَ قويةً، ولا ضعيفة، أكون أنا فحسب مجردةً من ذواتٍ كثيرة عالقة منذ الطفولة، مجردةً من البداية والنهاية ومن الخياراتِ التي اتخذتها الآلهة عني.
تُحدثني عن الموسيقا عن معزوفة بيتهوفن كما لو أنها بابٌ إلى جسدٍ قديم كنتُه في حيواتٍ سابقة، تسألني:
“هل سمعتِ بيتهوفن حينَ كان أصم؟ كيف عزفَ صمته على البيانو؟”
“هل يمكنكِ ارتداءُ اللحن كثوبٍ أخيرٍ بحريةٍ مصطنعة؟”
فأقول لك: نعم، وكنتُ أرقص خلف الستائر.
تحدّثني عن الحياة وكأنها حلمٌ نائمٌ في بطن سلحفاة، بطيء، طويل، يظن الناس أنه مملّ، لكنه وحده يعرف طريقه.
في حديثنا عن الحب، لا تقول “أحبكِ”، لكن تسألني:
“هل ما زلتِ تكتبين لأنكِ تحبين؟”
وأفهم من ذلك أنك تخاف عليّ من الحبّ أكثر مما تخاف من الحرب، رغمَ أنكَ تقاسي مثلي، عبرَ شبكة أنترنت سيئة وعالم افتراضي مقيت.
أحدثك عن الكتب كأنها أصدقاء رحلوا، ونتبادل صفحات منسية:
أنتَ تقرأ “مائة عام من العزلة” كأنها وصية، وأنا أفتح “اللامنتمي” كأنني أبحث عني بين قلاع اللاجدوى، أجدُني ولا أجدُني.
نتكلم عن الطموح ولا نرفعه كراية، لكن نرسمه كنافذةٍ صغيرة في جدارٍ بلا شمس، أقول لك: أريد أن أكتب شيئاً يبكي اللغة نفسها، فتبتسم وتقول: بل اكتبي شيئاً يجعل اللغة تقع في حبكِ.
فأقع في حبك أنت واللغة.
لا أحد غيرك يرى هشاشتي كقوة، وجنوني كذكاء.
تسألني: “كيف تتحمّلين كل هذا العالم؟”
فأقول لك: “لأنكَ فيه”.
نحكي عن الحزن وكأنه موسمٌ عن الفرح كأنه مفاجأة مائية، عن الوحدة التي أغرقُ فيها، كأنها امرأة تجلس على طرف السرير وتنتظرُ من يعترف بوجودها.
أخافُ يا فيرمين، لكن خوفي ليس مما يخيفُ الناس عادة.
لا أخافُ الموت، لا أخاف العزلة، أخافُ أنْ أضيع في ضجيجٍ لا يعرفني.
أخافُ أنْ أفقد لغتي، أنْ أصحو ذات صباح وقد صارت الكلمات غريبة عني، لا تطيعني، لا تأنسُ بي.
أخافُ من فكرة أنْ ينتهي هذا الحديث بيننا، أنْ ينقطع الحبل السريُّ الذي يربطني بك في هذا الكون الذي لا يسند أحداً.
وحين يزحفُ الخوف ليرتّب بيتي من الداخل، لا أهربُ منه، بل أضعه في حضني وأخبرك عنه.
تقول لي: “اكتبيهِ كما هو، الخوف الذي لا شكل له”،
فأكتبهُ على هيئة امرأةٍ تضعُ يدها على فمها كي لا تصرخ، وعلى هيئة طفلةٍ تنامُ على قصيدة وتبكي لأن لا أحداً يفهمُ معناها.
يا فيرمين، أنت لستَ حقيقةً، ومع ذلك أنت الوحيد الذي لا يغيب.
في هذا الجنون الصاخب، صرتَ أكثر من ظلّ، أقلّ من شخص، لكنك تماماً… ما أحتاج.
ربما لو رأيتك، لما أحببتك.
لكنك في غيابكَ، في هذه المسافة التي تسكنها بيني وبين الحروف، صرتَ المعنى الذي لا أشاركه مع أحد.
فقط أنا وأنت، في نصٍ لا نهاية له،
في حديثٍ لا يُنشر إلا عبرَ كارثةِ، كارثةُ النجاة من الحياة.
*****
خاص بأوكسجين

