رقصة آلية على حافة الثقب الأسود
العدد 302 | 5 كانون الأول 2025
مها عواودة


يبدأ فيلم “منطقة الاهتمام” بشاشة سوداء دامسة. لعدة دقائق، لا نرى شيئاً، نسمع فقط. دقات عميقة، متواصلة، هديراً يشبه تنفس وحش تحت الماء، أو صوت فرن هائل يعمل في قبو العالم. صوتٌ يخلخل العظام، ثم ينقطع فجأة، لتحل محله زقزقة العصافير وخرير الماء في يوم صيفي مشرق.

في الصيدلية، كنت أعيش داخل هذه النقلة الحادة كل يوم. تحت الأضواء البيضاء الساطعة، التي تشبه سطوع حديقة عائلة “هوس”، كان الإيقاع مضبوطاً بدقة. حركة تشبه عقرب ساعة لا يتوقف: خطوة لليسار، التقاط العلبة، العودة للكاونتر، وتمرير العلبة تحت الليزر الأحمر:

“بيب”.

هذا الصوت الإلكتروني القصير لماسح الأسعار كان نسختي الحديثة من تلك الدقات العميقة. إنه الصوت الذي ينظم الفوضى، ويضبط إيقاع “الحياة الطبيعية”.

“بيب”.. دواء للضغط.

“بيب”.. مضاد حيوي.

“بيب”.. منوّم لمن لا يستطيع إغلاق عينيه.

الناس يقفون في طابور مهذب، وأنا أفتح الدرج “تك”، أغلقه “تك”، أبتسم وأقول “تودا”. إيقاع هادئ يندمج مع صوت المكيف، ليغطيان معاً على أي صوت آخر قد يتسرب من الذاكرة أو من نشرات الأخبار. لم يكن الأمر خياراً، بل كان تياراً قوياً من الحياة اليومية يجرفنا جميعاً؛ حيث يندمج هدير المحرقة البعيد في الفيلم مع ضحكات الأطفال في المسبح، ويندمج صوت “الباركود” في صيدليتي مع واقعي كفلسطينية تبيع العافية في مدينة تتجهز للحرب.

كانت معرفتي بهم معرفة “القشرة”؛ معرفة بيولوجية بحتة ومحايدة.

أعرف أن هذا الرجل يعاني من حساسية الربيع، فيأتي كل عام وعيناه دامعتان حين تتفتح الزهور.

أعرف السيدة التي تطلب دواء القلق بصوت خفيض وكأن الخوف عورة.

وأعرف الشاب الرياضي الذي يشتري البروتين لبناء عضلاته.

لكن خلف هذا الزجاج، كانت الأسئلة تطفو بصمت، دون أن تُطرح. الإيقاع الخفي القادم من الشاشة السوداء كان يملأ المساحة: أين كانت هذه الأيدي قبل قليل؟

لم أكن أعرف إن كانت عضلات الشاب الرياضي قد بُنيت لتحمل طفله، أم لتحمل قذيفة تزن أربعين كيلوغراماً. لم أكن أعرف إن كانت العين التي تدمع من “حساسية الربيع” هي نفسها العين التي راقبت شاشة طائرة مسيرة ببرود. المعرفة هنا تتوقف عند حدود الوصفة الطبية، وما بعدها يظل في علم الغيب.. أو في علم الحرب.

ذات مرة، ناولُت رجلاً دواءً للأرق قال إن “ضغط العمل” يمنعه من النوم. مرت المعاملة بسلاسة، ابتسامة مقابل ابتسامة، وانتقلنا من السواد إلى ضوء الشمس كما في الفيلم. لكن السؤال ظل معلقاً في الهواء كغيمة دخان: ماذا لو كان “الضغط في العمل” هو زيارة ليلية من وجوه غابت ملامحها؟ لقد أخذ دواءه ليمضي، وأنا عدت لترتيب الرفوف.

في تلك الأيام، كانت الهوة تتسع. أفتح هاتفي فأرى طفلاً مبتور الساقين، أغلقه، وأستقبل الزبون التالي. أين كنت أنا؟ في الحديقة أم في المعسكر؟ الإجابة المرعبة هي أن المكانين تداخلا. فالجدار في الفيلم ليس مجرد طوب، إنه هندسة نفسية تفصل بين “هنا” الهادئ و”هناك” المحترق، وكان الزجاج الفاصل بيني وبين الزبون هو جداري الشفاف.

أحياناً، حين يسود الصمت، يعود لي ذلك الصوت ليذكرني بأنني كنت أعرف أشياء كثيرة، لكنني جهلت – قسراً أو عفواً – الشيء الوحيد الذي يهم: أين كان كل واحد منهم يوم 28 يناير؟ عندما اخترقت 300 رصاصة جسد طفلة صغيرة وتُركت وحيدة؟ كان يُقال لنا إن التاريخ يحدث في مكان آخر، لكنه كان يقف أمامنا في الطابور، يمد يده بالوصفة، ويسأل عن بديل أرخص للدواء.

الرفاهية في “منطقة الاهتمام” ليست القصور الفارهة، بل هي القدرة المدهشة على الاستمرار. مثلما تجلس الأم في الفيلم مع صديقتها للغداء، تضحكان وتتحدثان عن ماسة وجدتها الصديقة في أنبوب معجون أسنان.. ماسة كانت مخبأة في فم امرأة ميتة، ومع ذلك يستمر الحديث عن “ذكاء الإخفاء” وسحر الحجر، ويتلاشى رعب المصدر في فناجين الشاي.

وفي مشهد آخر، يقرأ الأب حكاية “هانسل وغريتل” لابنته قبل النوم؛ طفلان ضائعان تنجيهما بجعة بيضاء عبرت بهما النهر. يقرأ الأب بصوت حنون، وتغلق الطفلة عينيها بأمان، بينما خلف نافذة غرفتها تماماً، يصبغ وهج أحمر السماء، ويتصاعد الدخان.

في الحكاية، البجعة تأتي لتنقذ الأطفال.

لكن في الواقع الذي يطحن العظام خلف النافذة، الحكاية تختلف.

لا بجعة هناك.

لا بجعة تحملُ من هناك.. الذين خلف السور.

البجع لا يسبح في أنهار الدم، والنهر لا يُعبَر.

هم بقوا هناك، يحترقون.

ونحن في الصيدلية؟ أغلقنا الدرج، وواصل العقرب دورانه. وفي مشهد آخر يقرأ الأب حكاية “هانسل وغريتل” لابنته قبل النوم؛ طفلان ضائعان تنجيهما بجعة بيضاء عبرت بهما النهر. يقرأ الأب بصوت حنون، وتغلق الطفلة عينيها بأمان، بينما خلف نافذة غرفتها تماماً، يصبغ وهج أحمر السماء، ويتصاعد الدخان من الأفران. في الحكاية، البجعة تأتي لتنقذ الأطفال. لكن في الواقع الذي يطحن العظام خلف النافذة، الحكاية تختلف. لا بجعة هناك. لا بجعة تحملُ من هناك.. الذين خلف السور. البجع لا يسبح في أنهار الدم، والنهر لا يُعبَر. هم بقوا هناك، يحترقون، ونحن في الصيدلية، أغلقنا الدرج، وواصلنا الرقص.

*****

خاص بأوكسجين


كاتبة من فلسطين