أثبت التاريخ بما لا يدع مجالاً للشك أن البشر باختلاف ميولهم الجنسية/ ثقافاتهم/ دياناتهم/ أحزابهم السياسية/ طبقاتهم الاجتماعية/ حالاتهم الاقتصادية/ طبيعة تعليمهم/ مستوى الخدمات الصحية المقدمة لهم/ أعراقهم/ أجناسهم/ وظائفهم/ أبراجهم الفلكية/ أطوالهم/ أوزانهم/ ألوانهم/ طريقة تصفيف شعرهم/ ملابسهم المفضلة/ أماكن سكنهم/ هواياتهم/ مرجعياتهم…. متشابهون في الحقارة، والنهم الشديد إلى السلطة والحيازة، وحاجتهم إلى الاعتراف.
لكل هذه الأسباب لا أعتقد أنه من الضروري أن يعرف أحد أن سميرة بنت الأقاليم، بنت التسعينات والألفينات: الركود والثورة، الحزب الواحد والأحزاب التي لا حصر لها، بنت أبويها المنفصلين حين كانت في المدرسة الثانوية، ابنة أبيها الموظف التقليدي وأمها سيدة الأعمال الطامحة، بنت شارعها الحقير وجيرانها الخبثاء، بنت الزمن الرخو والمكان الذي يشبه جميع الأمكنة، بنت الجامعة ورفيقات السكن/ بنت الغربة وكلية الإعلام.
في عامها الثالث في الكلية كانت سميرة قد مارست الجنس مع خمس وثمانين شخصاً، معيدين في الكلية، زملاء، موظف في شركة اتصالات، صاحب محل بقالة، رئيس مجلس إدارة شركة حكومية، خمسة أمناء شرطة، عميد سابق، طيار تحت التدريب، ثلاثة شيوخ طريقة، عشرة مريدين، سلفيين، خمسة ملحدين، وشاعر قصيدة نثر وحيد.
كانت سميرة تعتزم أن تكمل العدد إلى مائة غير أنها وجدت ضالتها في أحمد الهوا: مهندس الأجهزة الطبية الذي ترك الهندسة للباحثين عن الستر وذهب إلى الشِّعر، وتحديداً قصيدة النثر. لا يتحرى أحمد الهوا “الخلود”، هو يعرف أن الخلود يكلف الكثير، أقله أنه يكلف الحاضر، أحمد يعرف أهمية الوقت ومحدوديته، لذلك ينام قليلاً ويقرأ كثيراً. حيرة أحمد لم تطل، ذات ليلة أحضر ورقتين وقلماً، اشترى ثلاث سجائر “فرط”، صنع كوب شاي ثقيلاً، وقرر أن يحسم أمره، كتب في منتصف الصفحة الأولى “الخلود” وفي منتصف الثانية كتب “الحاضر”، وقسم كل ورقة إلى نصفين، في منتصف الجزء الأيمن وضع خطاً أسفل كلمة “المميزات” وفي منتصف الجزء الأيسر وضع خطاً أسفل كلمة “العيوب”.
فكَّر أحمد ساعتها في استخدام آلية للترجيح، خطر على باله نقاط التموين، ضربات الجزاء، عروض الشركات، الكراسي الموسيقية، لاحظ أنه يتداعى، يفقد الوقت الثمين، لذلك بدأ في الكتابة. لم يستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة، حين انتهى لاحظ أن خانة المميزات في ورقة الحاضر قد امتلأت بالنقاط فيما خانة العيوب بها نقطة واحدة: خسارة الخلود.
حين تأمَّل ورقة الخلود، لاحظ أن خانة المميزات تقارب خانة العيوب، وحين حلَّل الأمر اكتشف أن أغلب المميزات عبارة عن مكاسب اعتبارية سينعم بها غيره، وعند هذه اللحظة حسم أحمد الهوا أمره.
هذا الأسلوب العلمي في الاختيار هو ما جعل سميرة تكتفي بأحمد الهوا وتقلع عن فكرة استكمال “لائحة الشرف” إلى العدد مائة. في حقيقة الأمر لو كان لسميرة أدنى قدرة على التمييز لعرفت أن الخمسة وثمانين شخصا متشابهون كما أسلفنا في المقطع الأول، جميعهم حقراء، يبحثون عن السلطة والحيازة، ويرغبون في الاعتراف. ربما تكمن الاختلافات في تفاصيل القضيب.
كل هذا يعري فقر تجربة سميرة، كأنها نامت مع شخص واحد خمسة وثمانين مرة… يا للملل!
تقفز سميرة من رأسي ( حيث الكل يريد أن يدلي بدلوه رغم أن كل الدلاء مثقوبة)
في هذه الحالة ما نفع الأصحاب! لنختزل كافة الأصحاب في صاحب واحد، لنختزل الأخوة في أخ واحد، لنختزل الأبناء في ابن واحد، ثم كيف تكون حياتنا الجنسية؟ رائحة البقال تختلف عن رائحة الطيّار، قضيب الجزار غير قضيب رئيس الشركة، لون هذا غير لون ذاك، الكلمات تختلف، المذاقات، الآثار…
لا توجد فردية يا سميرة، هذا وهم. لا توجد شخوص في حقيقة الأمر. توجد أنماط، ربما يوجد في العالم بأجمعه خمسة أو ستة أنماط، الحالم وهذا يشمل الشاعر والثوري على سبيل المثال، الواقعي وهذا يشمل عدداً لا حصر له من المسميات والألقاب، الزاهد، القاتل، لنجعل عدد الأنماط عشرة يا سميرة، المؤسف أن كافة اختياراتك تندرج تحت نمط الواقعي، حتى المريد وشيخ الطريقة في لائحتك واقعيان، لأن الزاهد لا يعرف الطبقات، أنا أرشح لك أن تتعرفي على أنماط وليس على شخوص، حين يكون عالمك ضيق، مكوّن من عشرة أشخاص، أقصد عشرة أنماط، هذا الاختزال الرهيب سيمكنك من تأمل رعاياك. نستطيع أن نتعرف على مذاق عشرة أشخاص لكن ليس بوسعنا التعرف على مائة مذاق، يوجد عيب في هذه الآلية ماثل في أن الخسارة فيها تكون مؤلمة، لنتخيل أن عالمك مكون من أربعة شخوص، حين يموت أو يرحل أحدهم فإن ربع عالمك يضيع، لكن هذا أيضاً جيد، لكي تكون الخسارة خسارة بحق، لكي يكون لها مذاق، نحن لسنا أطفالاً لنتبارى أيّنا يخسر أكثر؟ أيّنا يتألم أكثر؟
كيف تضع شيخ الطريقة والمريد داخل نمط واحد؟ كيف تضع الشاعر مع الجزار؟
الكل يرغب أن يصبح شيخ طريقة وعما قريب سيندثر المريدون، لذلك عليكِ أن تأخذي كفايتك من المريدين الذين هم على وشك الاندثار، في حقيقة الأمر أن المريد وشيخ الطريقة لا يختلفان، ما يجمعهم هو الرغبة في الارتقاء، فحين يتحول المريد إلى شيخ طريقة، يتحول شيخ الطريقة إلى ولي، ويتحول الولي إلى قطب، ويتحول القطب إلى واحد من الأبدال، هكذا يحدث التصعيد، وهو حتمي. لابد من إيجاد مساحة للقادمين من أسفل، من يعلم ما الذي سوف يحدث إن أغلقت هذه الطوائف قسم العضويات الجديدة؟ ستندثر حينها الطائفة بأكملها، دوما تحتاج الطوائف إلى أعضاء جدد، يبثون النضارة فيها، يحدثونها، يضمنون لها الخلود.
بالنسبة للشاعر، إليك البشارة، الشاعر الذي في لائحتك لا يشبه الجزار، بل هو أشبه بالعاهرة، ثمة فوارق ترجح كفة أحدهما، العاهرة بالطبع، العاهرة تتعرى، تمنحنا بعض المتعة ثم تحصل على المال، الشاعر يتعرى، يدفع الأموال إلى الناشر ثم يحوز اللقب، “وما بالقليل ذا اللقب”، “وأمر على الديار، ديار ليلى/ وأقبل ذا الجدار وذا الجدارا”.
*****
خاص بأوكسجين

