لم يبدأ الأمر بحكاية، ولا بنافذة مشرعة. بدأ بوقاحة الضوء الأبيض. سفين نيكسفت1 قالها مراراً: الضوء ليس وسيلة للرؤية، الضوء وسيلة للتعرية. سفين صوّر الوجوه بتباين قاسٍ: أبيض ساطع، أسود قاتم، لا وجود للرمادي.
في العناية المركزة، يسقط الضوء بذات الوقاحة عمودياً على وجه والدي، ينحت عظامه، ويُحيل ملامحه المألوفة إلى تضاريس قمرية. أجهزة التنفس تغدو آلة عرض قديمة، تدور تروسها بملل لتطحن الوقت.
يُقال إن عارضي الأفلام في عام 1966 كانوا يوقفون الفيلم حين يظهر على الشريط حريق، حتى أنهم اضطروا إلى وضع ملصقات حمراء تشير إلى أن الشريط لا يحترق حقيقة، وإنما هذا مشهد من الفيلم. برغمان كان يكسر الإيهام قبل أن يبنيه: مسامير، صلب، دم، عدسة تُضبط. والدي قرر، ببراعة مخرج يائس، أن يقطع الشريط، أن يوقف المسرحية، وأن يتركني أحدّق في الشاشة البيضاء لعينيه.
لم أسمع كلماته الأخيرة. طلبه الأخير كان بسيطاً: أعيدوني إلى منزلي، دعوني أشرب القهوة مع زوجتي. كنت مشغولة بشراء زجاجة مياه معدنية من الآلة البلاستيكية في الممر. عدت إلى الغرفة وكان قد أغمض عينيه. لم يفتحهما مرة أخرى. فاتني كل شيء، وزجاجة مياه معدنية لم أشربها.
ذبابة تسير فوق شاشة المونيتور، تفرك قدميها بلا مبالاة مرعبة فوق الخط الأخضر، فوق نبضات قلب والدي المتعب، تدهس تاريخاً كاملاً من الحروب الصغيرة، والعناد، وسوء فهم مزمن للحياة، ورغبة أخيرة بفنجان قهوة لم يُشرب.
أمد يدي لألمس يد والدي. الجلد بارد، لكن في أمان غيبوبته، حيث لا أحكام ولا مقاطعة، أجد الشجاعة. تحت سادية الضوء أستغل غياب الرقيب لأمارس عريي الخاص. أقترب من أذنه، فيصير صمته فجأة المساحة الوحيدة التي تتسع لصوتي.
أنا ألما 2 الآن. أملأ الفجوات بكلمات، وهو يملأها بغيبوبة.
أخبره عن الحضن الذي لم أحصل عليه، عن آخر مرة ضمني في طفولتي عندما كسرت يدي. ضمني لدقيقتين، تمنيت لو تبقى يدي مكسورة إلى الأبد. أهمس له: هل كان يجب أن تنام طويلاً كي أجرؤ على طلب الحب منك؟ أعده بتهريب باقة نرجس غداً، النرجس البلدي الذي يعشقه، أن أخفيها تحت معطفي وأتجاوز التعاليم التي تمنع إدخال الأزهار إلى الغرفة. يستحق الأمر التجربة، أن أملأ رئتيه برائحة الحقول بدلاً من المعقمات والندم، رغم يقيني أنه قد لا يشم.
أُخرج هاتفي وأشغّل صوت محمود درويش، شاعره. نتشارك السماعات في طقس سري. مع كل قصيدة أشعر أنني أُبعد الموت متراً واحداً، نحتمي بالمجاز من واقعية الأجهزة.
ثم أنزلق إلى الاعتراف الأخطر. أخبره عن كذبة الأم المثالية التي تمزقت عند أول منعطف للاكتئاب. أخبره عن الاكتئاب، أسأله إن لاحظ يوماً وسواسي القهري، أضع رأسي على صدره وأحكي. الأمومة كانت امتحاناً قاسياً سقطت فيه مراراً وبكيت خلف الأبواب.
أخبره عن معالجي النفسي، الرجل الذي أدفع له المال ليسمعني ومع ذلك أطعمه أنصاف الحقائق في طابق ثالث من بناية رمادية.
أطلب من الطبيب أن يحتفظوا به هنا، أشرح ببؤس أن العناية المركزة أفضل، لكن الحقيقة أنني كنت خائفة.
الليل. العناية المركزة. والدي هناك، رقم وسرير وأنابيب وظل. أجلس ولا أحكي هذه المرة. صمت يقابل صمت.
في النهاية، الضوء لا يكتمل إلا في عين من يحدّق في الجحيم، لا في فم من يشرحه.
———————–
(1)(1922 – 2006) Sven Nykvist يعد واحداً من أعظم المصورين في تاريخ السينما. اشتهر بلقب “سيد الضوء” نظراً لأسلوبه الفريد الذي يركز على الطبيعية والبساطة واستخدام الإضاءة لإبراز المشاعر. كما عُرف بشراكته مع إنغمار برغمان وقد صور أكثر من عشرين فيلماً من أفلامه.
(2)الممرضة ألما في فيلم برغمان “برسونا” وقد جسدت شخصيتها الممثلة بيبي أندرسون.
*****
خاص بأوكسجين

