إلى بول مخلوف: تعال نضحك ضحك زياد، لا ضحكنا نحن.
“فما الرحيلُ همّنا
بل الوداع.
اكتبوا على الأوراق
على أوراق الدفاتر
على أوراق الأشجار الصفر
اكتبوا على شبابيك الزواريب الطويلة
على أصغر الأحجار
احفروا في جذوع الأشجار
على أبواب البيوت المتهدّمة
اكتبوا كلّ ما يخطر ببالكم
فإننا راحلون”.
*صديقي الله – زياد الرحباني.
“إذا كانت الثورة – كما هي فعلاً – ملزمة قطعاً وبالضرورة بتفسير العالم وتغييره في آن واحد”.
*غسان كنفاني – المقاومة ومعضلاتها كما تراها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
زياد…
آخر نوابغ الزمان، العقول المحضة، الأحاسيس الصرفة، آخر العقلاء المجانين والمجانين العقلاء.
نقرأ في سير العباقرة، غالباً: وقد تفتّق ذهنه عن عبقرية، ونبوغٍ وبعضِ جنون وحدسٍ هائل وإحساسٍ مُر وعذابٍ أليم. ويُرفَق هذا الوصف، عادةً، بأنّ العبقري اعتزل العالم ودخل محبسه بإرادته غاضباً من خيبة ألمه لأنّ العالم لم يفهمه.
لكنّ زياد، كان يرى العالم.
يرى العباقرة العالم بما هو عليه فيعتزلونه، يرونه الفلاسفة كما ينبغي أن يكون فيعتزلونه، أيضاً، لأنه لن يكون.
رآه زياد في الحالتين، ولم يعتزله إلا وقد غيّره. فسّره، من ثمّ غيّره، من ثمّ اعتزله.
خرج جورج عبد الله حراً إلى العالم… انتظر زياد أربعة عقود رجلاً يشبهه كي يقول له: هذا ما صنعت، ثم يمضي.
يكتب بول مخلوف عن زياد أنه التفكيكي الرهيب، “يفلح” و”يلحم” و”يلحن” لا لشيء سوى إخراج العبث، واللامعقول من جوف البنية، لإبراز هشاشة المعنى في واقعٍ يبدو مستقيماً، وشديد الصلابة يقف على رجليه كمستبدٍّ قميء لا يعرف الضحك، فيما هو منخور بالمرض وعلله فائضة.
زياد الرحباني ضد كل الهياكل، واقعي ضد الواقع، هو المفكّك، والمنفك عن الأواصر الأسرية، والعائلات الموسيقية، والهويات الفولكلورية والأهازيج التراثية. هو الحداثي الذي كتب مانيفستو الحداثة خاصته مراراً.
زياد الرحباني، التفكيكي الرهيب، ضد نفسه أولاً. تراجيدي إغريقي مغمور، وقد يكون من أواخر التراجيديين المعاصرين. هو الذي أذعن لقدره وقال للموت: نعم، حسناً، تعال.
سهريّة: ضد نفسه أولاً، الخروج من العباءة
عام 1973 قدّم زياد أولى مسرحياته “سهريّة”، وقد ألّفها ولحّنها. لا تبدو المسرحية، في كل ما تدور حوله وتنحو نحوه، إلا محاولة للخروج من الإرث الثقيل الرابض على صدره.
“نحن، الذين أمهاتنا لسن فيروز، وآباؤنا ليسوا عاصي، لن يكون سهلاً علينا أن نفهم صعوبة هذا الأمر”. يقول طلال شتوي في كتابه “زمن زياد”.
“الإنسان متى عرف الحقائق سقط عن سرير الأحلام”… يقول زياد في ديوانه الوحيد الذي كتبه وهو ابن اثنتي عشر سنة “صديقي الله”. في سهرية، يختار زياد، ابن السابعة عشر، أن يصل إلى حل توفيقي مع الإرث الثقيل. هذا ما يبدو، أنّ لا وعيه، في العمق، يريد قوله.
ليس زياد الحقيقي إلا مروان محفوظ: في المسرحية، الشاب الجديد ذو الأنفة، يعرف قدراته، ومدى إمكانياته، ولذا لا يتوانى عن منافسة المعلم نخلة التنين. أما المعلم نخلة، فيبدو تمثيلاً حقيقياً للإرث الرحباني. يقيم مسابقة لاكتشاف الأصوات، ويدبّر نتائجها: لا يريد أن يكتشف صوتاً أجمل من صوته. ولكنّ زياد، في الحقيقة، أو مروان محفوظ في المسرحية، كان قد قُذِف إلى العالم الرحباني (عالم المعلم نخلة التنين)، وليس من ذلك بد.
المعلم نخلة التنين هو مثال الأب الحاضر تخييلياً، ومثلما قدّم عبد الله السفر كتاب الأمريكي بول أوستر “اختراع العزلة” تحت عنوان “القبض على أفق الأب”، فإنّ ذلك يصح تماماً على زياد في “سهرية”.
لكنّ زياد لا يريد تكرار مآسي الأبناء مع الآباء، بل يرغب بإيجاد حلٍّ توفيقي مبني على الحب في جوهره، الحب والحرية. ومثلما الأب، كمقولة وموضوع وظل وشبح، مفتاحٌ أساسي لفهم الكثير من العلاقات النصية في الأدب، فإنّ الإرث الرحباني هو مفتاح “سهريّة”.
والانتقال من “سهرية” إلى ما بعدها، أي “نزل السرور”، هي انتقال، على المستوى المجازي، من الرحابنة كإرث، إلى زياد الذي وجد نفسه، وعلى المستوى المادي: من الريف إلى المدينة، الذي يعني مجدداً: من العائلة إلى الأنا.
“عاصي وفيروز في مقدمة المدعوين، أتيا مدهوشين، وخرجا منبهرين. لم تكن لديهما أي فكرة عما يفعله ابنهما. مع انتهاء العرض صفّقا”.
تحقق التوافق، بمحبة. صفّق الإرث للخارج عنه، منحه المباركة، وقال: انطلق.
أعطيني رشّاش لولادي، ثورة وحدة
لا يعرف زياد نفسه كيف تحقق مثل هذا الانتقال بين 1973 و1974، بين “سهريّة” و”نزل السرور”. ليس ثمة أجوبة عن هذه السنة الفاصلة، إلا ما يقوله التاريخ:
سنة 1968 كانت الثورة على كل شيء في العالم، دون استثناء، ولابد أنّ زياد شهدها وتابع نتائجها، من ثم أُخِذ بجنون السبعينات. سوف يسمع ويعرف، سنة 1971 عن فوساكو شيغينوبو التي أسّست “الجيش الأحمر الياباني”، وسوف يأخذه النداء الذي أطلقته مجموعة من 40 إنساناً، إلى “ثورة عالمية”. لا ريب أنّ زياد تابع العمليات التي قادتها فوساكو ومجموعتها، من خطف الطائرات إلى “عملية اللد”، وربما اكتشف، مثل باقي الناس بعد سنوات، أنّ لفوساكو ابنة اسمها مي أنجبتها بعد زواجها من فلسطيني ينتمي إلى “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”.
سنة 1972 اعتُقل أندرياس بادر وأولريكا ماينهوف، مؤسِّسَي منظمة “أيلول الأحمر” الألمانية، أو: بادر ماينهوف. الثورة العالمية تتحقق. ولكن، بعد سنوات، سيُعلن أنّ أندرياس، ومن ثم أولريكا، وُجدا ميتين في زنزانتيهما. في أيلول 1972، ينفذ أبو حسن سلامة عملية ميونخ.
لكن الحكاية التي سوف يرويها زياد، بعد سنوات، في مقابلته مع طلال شتوي، بإعجاب كبير، مختلفة عن كل ما سبق.
في الثامن عشر من تشرين الأول سنة 1973، دخل كلٌّ من علي شعيب وجهاد أسعد ومرشد شبّو (أفقر أمين عام حزب في لبنان كما تصفه الصحف) مبنى “بنك أوف أميركا” في شارع المصارف في بيروت. أطلق هؤلاء على أنفسهم اسم “حزب الاشتراكيين الثوريين”، واحتلوا المبنى، معلنين أنّ عملهم موجّه ضد النظام المالي العالمي، وضد تحكم المؤسسات المالية الدولية بمصائر الشعوب.
كان “بنك أوف أميركا” يموّل إسرائيل في حربها ضد مصر وسوريا. وكانت مطالب الفقراء الثلاثة واضحة: عشرة ملايين دولار لمصلحة مؤسسات تدعم الحرب على الإمبريالية العالمية، وإطلاق سراح عدد من المعتقلين العرب في السجون الإسرائيلية. قُتل الشبان الثلاثة على يد الأمن.
تحاول “نزل السرور” أن تروي كل ذلك، عن الثورة، أن تفجّر ثورة، وتصنع مصيراً، وتنتهي بصرخة زياد: “أعطيني رشاش لولادي، ثورة وحدة”.
إنذار من زياد
أما الشريط الترويجي للمسرحية التي أخذت موقع النبوءة بالنسبة للبنانيين قبل حرب السنتين، فيقول: شهد “مسرح أورلي” ولادة نابغة في لبنان الذي هو زياد الرحباني، ابن فيروز وعاصي، الذي برهن عن طاقة مذهلة في التأليف والتلحين، فجاء عمله هذا من أجمل وأكمل ما شهده المسرح اللبناني حتى اليوم. سوف يتحدث العارفون كثيراً عن “نزل السرور” وأبعاد هذا العمل الكبير.
ينقطع زياد نحو خمس سنوات عن المسرح ولا يعود إلا سنة 1978 مع “بالنسبة لبكرا شو”. يتوه زياد في عالم الاستهلاك الوحشي، في مجتمع الخدمات، ويبدو أنّ الثورة العالمية التي بدأت مطلع السبعينات قد ولّت دون رجعة. الآن، الإنسان كائن تدميري، والآخر كيان مُدمَّر معنوياً. الحرب، كما تتضح مع نهاية سؤال زياد، تتمثل في اختيار البقاء في البيئة المدمرة: “أنا عالخليج مش رايح”.
بعد سنتين، تحضر الطوائف بوصفها قوة أعتى من الطبقات في “فيلم أميركي طويل” 1980، وبعد أقل من سنتين، يحدث الاجتياح.
يستجمع زياد أنفاسه ويرجع، سنة 1983، بما يعرفه عن لبنان، ويختصره. الخشبة هي العالم، ويتردد صدى “شي فاشل جداً” كجواب على “أعطيني رشاش لولادي”.
قال ما عنده، صمت عشرة سنوات، حتى يرجع “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” بمقدمة كتبها جوزيف حرب تحت عنوان “إنذار من زياد الرحباني إلى الشعب اللبناني” يجب أن يقرأها الجمهور:
“مشهداً إثر مشهد، ستشاهدون عيّنات، نماذج. يرينا زياد من خلالها، صدأ لغتنا، خطايانا، كذبنا، بشاعتنا، إسلامنا ومسيحيتنا، تبعيتنا، عهر أسواقنا وفسادها، إهانة صلواتنا لأدياننا، عفن فنوننا، جرائم تجاراتنا، تعاسة
أحزابنا، لا ضرورة الماضين والآتين من قادتنا. سيرينا أكف لصوصنا، وشقوق جدار دولتنا…
ستشاهدون، مشهداً إثر مشهد، أية بدائية وأي تبدد سننتهي إليهما، وأي ريش سينبت في أكتافنا، وأية قرون ستخرج من رؤوسنا، إذا بقي اللبنانيون الكرام في ما هم عليه.
هكذا يروي زياد الرحباني مصير اللبنانيين، مصير الكرامة التي لم تتقن إلا الذل، والشعب العنيد الذي جعلوه يبيع نفسه لكل من دخل عليه، ويصفّق متأهباً لكل من ساق به إلى الذبح، ويلين حين بات من السهل جداص أن يكون كثير العقد.
إنها مسرحية الإنذار، مسرحية الغضب النابع من أعماق الحب لكم. ومسرحية الخوف عليكم إلى درجة اليأس منكم. زياد الرحباني خائف على مصيركم ومصيره ومصيري. ولهذا السبب، فإنه مصر على الانتماء إليكم، وعلى أن يكون واحداً منكم، ويداً مضافة إلى أياديكم، في بناء وطن، يريده له ولكم، عصرياً، جدياً، حقيقياً، صادقاً وجميلاً، وإلا فلتنشق الأرض لتبتلع الجميع.
إنّ بزياد رغبة جامحة، للذهاب معكم إلى العصر والحرية. ولن يتم هذا له ولكم، إن لم تحبوا هذا الوطن كما هو يحبه. تعالوا نضحك ضحكَ زياد، لا ضِحكنا نحن، لنحتمل أخيراً عمق هذه المأساة.
إنه إنذار من زياد الرحباني إلى الشعب اللبناني. وعندما لا يقتنع زياد الرحباني، لا بأس من أن نعيد النظر بكل شيء”.
لكن: كان الأون قد فات.
ليفتح لنا الباب، إلى بابٍ آخر
انسوا الكلام المكرّر عن الأيقونات والأساطير والهالات المقدّسة والعبقريات المحضة والعقول المجنونة الخلّاقة. انسوا التاريخ والحروب والسياقات والمسرح والموسيقى والعائلة والمدينة والريف. انسوا الاستهلاك والبارات ومجتمع الخدمات والاقتتال والخروج من عباءات الأب. انسوا الأطروحات واليسار والماركسية والطرقات والزواريب الضيّقة والاصطفافات السياسية. انسوا اللغة وتفكيك اللغة واختراع اللغة والفلسفة. انسوا العبقرية الفنية. هذا مهم، ولكنه ليس الإجابة عن السؤال.
إننا نحس أننا فقدنا أنفسنا، بفقدان زياد، لأنه سمح لنا جميعاً أن ننتمي إليه، في أشد لحظات حياتنا اغتراباً. ومن أجل هذا نبكي. من أجل هذا تدرّ العين الدمع.
خسرنا الملجأ الوحيد، وربما الأخير في الأزمنة الحديثة كلها، الذي سمح لنا برضا وطيبة نادرة، أن نخترعه ونحتمي به في أكثر اللحظات خطراً.
*****
خاص بأوكسجين

