زياد الذي أحببناه … زياد الذي خذلنا
العدد 298 | 4-8-2025
بهيج وردة


على جدار شقتنا الصغيرة بالشارقة، تتصدر ثلاث إطارات لصور تجمعنا مع مبدعين نحبهم أنا ونادين زوجتي. كنت موجوداً في صورتين، وغبت عن الثالثة بكل إصرار وحماقة، لا بل كنت أنا من التقط الصورة وقتها، ورفضت أن أكون ضمن الإطار. الأولى مع الراحل د. سماح إدريس وشقيقته د. رنا عند توقيع عقد رواية نادين الأولى في “دار الآداب”، والثانية جمعتنا مع شربل روحانا في حفل أصدقاء جامعة القدس في أبوظبي، والثالثة ضمّت نادين وزياد خلال معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 2014.

كان ذلك زياد الذي لا أحبه. أذكر كم انزعجت بعد مقابلته مع غسان بن جدو، وخيبة الأمل التي أصابتني من مواقفه تجاه النظام الأسدي، وتأييده للحل الروسي، وانتقاده الشديد للثورة والفصائل المعارضة، وأجسامها السياسية مثل المجلس الوطني. طلب مني وقتها صديقي أن أعطيه فرصة ثانية “ولو هذا أبو الزوز!”، وعدته بذلك، لكن ما تلاها من تصريحات لم تكن أفضل حالاً. في العام 2013 قاطع عدد من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت جلسة حوارية معه. وبقي على موقفه كما في كثير من المقابلات التي أجراها طيلة عمر الثورة السورية. لم تكن هذه المقابلات مكاناً أود أن يتعرف من خلالها الناس إلى أبو الزوز. من أراد أن يتعرف إلى زياد متحدثاً بالسياسة فإن واحداً من الخيارات المفضلة كانت حوار العمر مع جيزيل خوري مثلاً. الحوار الذي تداولناه في سوريا على أقراص سي دي في وقت كان التقاط البث التلفزيوني لقناة ال بي سي محدوداً في مدن الساحل وحمص. هوجم زياد كثيراً، وكنت من أولئك الذين انتقدوه وقتها، ولم أقبل أن يكون كلامه جزءاً من الشخص الذي أحببت، وربما كنت متطرفًا بالرأي هنا.

لم أخف مرارتي من موقف هذا الشخص الذي أحب، وأتحدث كمتحيّز لإنتاجه الموسيقي والمعرفي، وهو الأمر الذي ترك أثره فيّ حين التقيته في بيروت 2014، ورفضت أن أتصوّر إلى جانبه خلال توقيع ديوان نزيه أبو عفش “مضى الربيع كله”. حضر زياد ليلتقي صديقه، وصادف وقتها توقيع اثنين من كتب نادين في اليوم نفسه فالتقينا. أجل، أنا نادم. ولا أكتب لأنعي خسارتي لصورة، إلا أنني أنعي مبدعاً أبدأ نهاري بفيروزه، وأمرر الوقت الصعب مع البوسانوفا التي قدمها، وعندما أحتاج إلى موسيقا للمتعة، أو للتركيز، أو كموسيقى تصويرية لطريق القيادة الطويل، كان خياري التلقائي. وأحاول دوماً أن أبذل مجهوداً لأتخلص من إرث هذه الموسيقى التي اكتشف أني أغرق فيها في لا شعوري، فأقرر أن أخرج منها إلا أني سرعان ما أعود، كما يفعل عقلي في حالات الأرق، عندما يختار الأسهل. وزياد كان خياري الأسهل، والمضمون.

وهنا أؤكد انحيازي لفيروز زياد، وحزني من اختطاف ريما لها في ألبومها “ببالي”، إذ كان الأمل أن يجمع تعاون فيروز بزياد، إلا أن ريما كان لها رأي آخر. لا بأس إن غضبت ريما من هذا الرأي. بالتأكيد هي أكثرنا حزناً على رحيل شقيقها، وأتمنى أن تغضب كفاية لتُفرج عن شيء جمع فيروز بزياد إن كان هناك شيء ما في الأدراج، فبعض الغضب حين يُترجم إلى حبّ، قد يُنقذ ما تبقى من صور غير مُلتقطة.

وفي التداعي تستدعي الذاكرة أحلى اللقطات التي كان منها حفلات زياد في احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، المرة الأولى التي يزور فيها أبو الزوز الشام. من أصل خمس حفلات، حضرتُ ثلاثاً منها، ورغم أنها كانت على مدار خمسة أيام متتالية، إلا أني نجحت في اختراع حجج كافية لأتهرب من العمل وأكون هناك. صورنا حلقة عن الليلة الأولى ضمن برنامج ثقافي على تلفزيون خاص عملت فيه، واختلفتُ أنا وصديقي نجيب مظلوم من سيحضر بقية الحفلات، إلا أن كلا منّا نجح بحضور ثلاث منها، وتركنا الموقع الإلكتروني وحيدا في واحدة من تلك الأمسيات. وفي الليلة الختامية والتي صارت ألبوما                      (Live at Damascus Citadel 2008) صدر عن الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، مازحنا أبو الزوز، وتحدث كيف فوجئ بمعرفة الجمهور لأغنياته كلها. وأشار إلى أنه عند التحضيرات لم يكن الأمر صعباً إذ كلما سأل عن أغنية يكون الجواب إن الجمهور يحفظها عن ظهر قلب. وقتها قال: “إن اجتمعتم في مكان ما للغناء أخبرونا، وسنطلب من الأمانة تذاكر ونأتي لنحضر معكم”. ولحسن الحظ عاد في 2009 إلى القلعة وقدم حفلة حملت عنوان “منيحة”، لكنه لم يعد إلى دمشق بعدها، ولا كثير ممن حضروه بقي فيها.

إلا أن اللقاء التالي لم يكن بعيداً، وفي العام 2011 حضرته في أبوظبي، في فندق وان تو وان، حيث كان يعزف، لكنه بالتأكيد لم يكن بحرارة اللقاء في قلعة دمشق. وقتها حاولت مع الأصدقاء أن نلتقط الصور معه، لكنه اعتذر بأدب، ولم أمانع اعتذاره. وكثيرون لم يمانعوا. كانوا يريدون حضور زياد، لا مجرد صورة معه. لكن لا شيء مميز في البرنامج. زياد الرحباني مع فرقته يعزف لزبائن مطعم لم يكن مزدحماً كفاية حتى، ليكون الموسيقى التصويرية لجلستهم. يومها لم نتحدث، جئنا فقط لنستمتع مع حضور زياد وموسيقاه.

كان التعرف إلى مسرحياته الحدث التأسيسي الأبرز في حياتي الذي عرفني إلى زياد. كانت مسرحياته التي وصلت إليها بصعوبة في وقت كان نسخ الأشرطة هو الحل الوحيد ليصل إلينا. بدأت مع “سهرية” (1973)، و”نزل السرور” (1974)، و”فيلم أميركي طويل”(1980)، وكانت الأخيرة التي توقفت عندها طويلاً، وخصوصا في تناولها الحوارات داخل المصح النفسي الذي تبين أننا لا زلنا نعيشه منذ زمن تقديمها في زمن الحرب الأهلية اللبنانية 1980، وقد يبدو من المفيد استعادة هذه المسرحية في وقتٍ تعود فيه الانقسامات الطائفية لتُرخي بسُدولها على مناطق كثيرة في العالم، وتسقطها على البلد الذي تشاء، لترى هذا النقد ممكناً. إلا أن ما فاجئني وقتها كمراهق يبحث عن لغته وانتماءاته هو زمن هذه المسرحيات وطزاجتها فيما أنا أستمع إليها في التسعينات. لتكرّ السبحة من بعدها، وأتوقف في أواخر التسعينات عند “شي فاشل” (1983)، والتي مثلت بالنسبة لي مانشيت الانفصال عن الجيل الكلاسيكي، وترسيخ الموروث، وتناوله بطريقة فيها من المغالطات ما يُبقيه حبيس الأدراج، وذلك من خلال الانتقاد الذي يُقدّمه على لسان أبو الزلف في تقريعه لـنور. وإذا عدت إلى المقطع الذي يمرّ ببالك سريعا، والذي يبدو أقرب إلى مرافعة من أبو الزلف في وجه نور (الكاتب والمخرج المسرحي)، الذي يقدم مسرحيّة “جبال المجد” عن لبنان المثالي، وقرية يملؤها الحبّ والوئام، فإنك ستغرق في نوبة من الضحك والأسى في آن معاً لما تراه في عالمنا المعاصر، والقاع التي علقنا فيها، فيما تناولها أبوالزوز منذ ما يقارب الثلاثين عاماً!

لكن الانتقاد الأبرز الذي قدّمه، والذي عزّز من صورته لدى السوريين، وربّما شكّل نوعا ما سبباً لخيبتهم من مواقفه السياسية مؤخراً، وهنا أحاول أن أبحث في داخلي عن أسباب الغضب كما عرفته على مدار سنواته وتجربته، لا بمنظار من تناوله بالانتقاد بعد مواقفه السياسية التي تلت العام 2011. هو برنامج “العقل زينة” على أثير إذاعة صوت الشعب التابعة للحزب الشيوعي اللبناني، الذي انتقد فيه النظام السوري. أمّا التهمة الأكبر فكانت حيازة كاسيت “بعدنا طيّبين… قول الله”، الذي تمّ تداوله كمنشور سري في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، على أشرطة كاسيت، وكان بمثابة تهمة جاهزة لدى أجهزة الأمن السورية للقبض على أي شخص، وفيه انتقد النظام السوري بشكل حاد. بالطبع لم تكن الأجهزة تحتاج إلى تهمة، لكن حيازة هذا الكاسيت كانت خطيرة كفاية، وقد احتاجت مني شخصياً، ومن العديد من الأصدقاء، المرور عبر دوائر متعدّدة من “الثقات” كي يصلنا في بدايات زمن السي دي والنهم إلى معلومات كان تداولها خطيرا وصعبا. للأسف كان علينا الانتظار أكثر من عقد ونصف للاستماع إلى هذا المنشور السري.

أكتب الآن وفي ذهني أولئك القساة من منتقدي زياد، دون أن أعد نفسي واحداً منهم. أكتب لأفهم موقفي وأراجع شيئاً من قسوتي عليه، تلك القسوة التي ما كانت يوما إلا عتب محب. وربما لا مفر من الاعتراف بأنّ الموقف من زياد الرحباني ليس تصريحاً يلخص كل شيء، بل موقف معقد، تتداخل فيه المشاعر بالفكر، ويتطلب بعض التروي في بعض مطارحه. لكني أؤكد لنفسي أولًا أن كل ما كان يدور داخلي من التباس سياسي أو خيبة بقي خارج دائرة الموسيقى. لم أمس الأغنيات أو المقطوعات الموسيقية التي رافقت حياتي، والتي كانت اختياري الحر والوحيد في أحيان كثيرة. هل يحبسه هذا في كيتش التراث؟ لا أتوقع.

وهنا يحسن التوقف عند محطةٍ أراها مفصلية في توثيق تجربته، حين أصدر الراحل سماح إدريس في العام 2010، عدداً خاصاً عن زياد في مجلّة “الآداب”. ملف لافت ومتوفر إلكترونيا حتى يومنا هذا، أعدّه أكرم الريّس، بعيدا عن صخب الصحافة اليومية، وأرى رغم وفرة التحليلات التي تناولت أعمال زياد، أنّ هذا العدد جمع نخبة من المحبّين والنقّاد والدارسين، فكان المرجع الأمتن والأصدق لما قدّمه هذا الفنان.

والآن بعد رحيله لن يبقى إلا زياد الذي أحببناه، فلا يمكن اختزاله في موقف، بل في كلّ المساحة التي تركها في عقول أجيال عاصرها، وصاغ ذاكرتها، وتحدث عنها حين كانت تبحث عن صوتٍ يشبهها.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب وصحافي من سورية مقيم في كندا.