أميركا السيارات الغارقة
العدد 282 | 30 كانون الثاني 2024
محمود الرحبي


لم يكن لـ “الأستاذ علي”، وهو لقبٌ حصل عليه مصادفة، اهتمام واسع بما يدور في أميركا. بل إن آخر علاقة له بهذا البلد لا تنمّ عن تعاطف، وإنما عن ضغينة، انقلبت فرحاً حين كان فرح عيديد يُسقط طائرات “البلاك هوك” كما يُسقط الجراد؛ أو حين كان صدّام حسين يتوعدهم، وإعلامه يصفهم بـ”العلوج” وهم يهاجمون بلاده بأنواع الأسلحة. ولكنه، في هذه الأيام، اقتنع بأن كل ما سيحدث هناك، في القارة البعيدة، من أقدار، خيرِها وشرّها، سينعكس عليه بكيفية ما.

يعيش “الأستاذ علي” في “ولاية السيب”، وتحديداً في “حارة الشرادي” الشعبية. ويعمل في محل “سيليكت” محاذ لمحطة بنزين، يظل مفتوحاً، ليل نهار، وكأنه بلا باب! يتناوب على البيع فيه مع زميل له، ولا يتحدّثان. إذ في السابعة تماماً يختفي صاحبه، ولن يراه إلا في صباح اليوم الموالي، في السابعة، فيكون بذلك لكل منهما وجهان: صباحي مشرق وآخر مسائي مُنطفئ. والعكس أيضاً صحيح.

علي في الثانية والثلاثين، غير متزوج. توقفت دراسته في الثانوية العامة، بسبب ضعفٍ في درجات التحصيل، فلم ينجح إلا بمعدل”مقبول”، بسببه “لم يُقبل” إلا للمكوث في البيت والثرثرة حول أحلامه الجامحة. كان يتمنّى أن يصير أستاذاً للغة العربية التي يتقنها إلى درجة أنه كان، مثلا، يُشبّه تحديد عَروض الخليل للأبيات الشعرية في الفصل بتقشير لبّ عبّاد الشمس، لفرط سهولته. لكنه كان ضعيفا حدّ العجز في المواد العلمية (الرياضيات خاصة) وفي اللغة الإنكليزية. وكان حلمه الثاني أن يشتري سيارة مرسيدس جديدة.

حقق الحلم الأول، ونال اللقب، بعدما جاءه والده بطفل باكستاني ليعلّمه العربية. سارت أمور التعليم على ما يرام في الأسبوع الأول. لكنْ في بداية الأسبوع الثاني، صرخ عليٌّ في الطفل قائلا “يا غبي”، فردّ عليه بصوت عال، وهو يبكي “أنا لست غبياً يا أستاذ”. كانت نوافذ بيتهم مفتوحة. وكان هناك من التقط صراخ الباكستاني الصغير الذي لم يظهر له أثر في الحي بعد ذلك، ولكنّ اللقب كان قد انتشر، فصار علي أستاذاً دون كبيرِ مشقة.

أمّا حلم امتلاك سيارة مرسيدس جديدة فقد ظل يراوح حدود الخيال. يحتاج إلى عمريْن لادّخار قيمتها، وبدون أن ينفق أي ريال من راتبه. ذات يوم، قرأ خبراً عن سيارات ألمانية جديدة جُلبت من أميركا وتباع بسعر رخيص. وفوق ذلك، كانت ثمة تسهيلات، إذ تتكفل بسعرها شركة تمويل بضمان راتبه. وهكذا حصل “الأستاذ علي” على السيارة الحلم “المرسيدس” الجديدة. وإن كانت صغيرة فلأنها في حدود أحلامه، فهي أربعة “سيلندر” ولا تستهلك البترول، بل “تشمّه” فقط، كما قال له البائع ضاحكا. وليست قديمة كثيرا، فأربع سنوات فقط فصلت بين تصنيعها ووصولها إليه. ولا قيمة لذلك كله في مقابل تجهيزاتها الإلكترونية الفاخرة، وأزرار اللمس التي تتحكّم فيها، وعديد من مواصفات الأمان والراحة. والأهم سعرها البسيط، ثلاثة آلاف ريال، قياسا بقيمتها الخرافية وهي معروضة في الوكالة: ثلاثون ألفا.

كان الشهر الأول أشبهَ بشهرِ عسل. طلب إجازة أسبوعين، ليتنقل على متنها في الشوارع. الحلمُ في أوجِه. عامَلَها بتقدير وعناية. سيارة ألمانية غادرت منذ الولادة موطنها وحلت في أميركا، وهناك رأت ما لم ير. وبعد أسبوعين، كان يرمقها من خلف زجاج واجهة المحلّ، إذ يعمل جالسا. يطلب أغلب زبائن آخر الليل ماء وسجائر. وعندما تلوح بشائر الفجر، يكون الطلب على القهوة في أوجه.

بعد شهر ويوم، بدأت المرسيدس تطلق إشارات الموت، وصارت كل تلك الأزرار التي لطالما أدهشته كأنها ألعاب نارية اشتعلت شهرا ثمّ انطفأت إلى الأبد.

ـ ماذا يحدث؟ أية عين أصابت سيارتي؟ كل ما حدث بعد ذلك كان ساحتَه كراج في حي المعبيلة الصناعية. يحفظ علي محتوياته جيدا، وبدون مبالغة، مسمارا مسمارا. كان يذهب إلى هناك، ويمكث منتظرا ساعاتٍ مديدة لإصلاح كل عطب يلحق بالمرسيدس فجأة.

فترت العلاقة بينهما بمرور الوقت، وصارت الثقة محل اهتزاز، خصوصا حين كانت تغدر به وتنطفئ كهرباؤها فجأة، وهو على وشك الانطلاق، أمام دوار أو منعطف. سيكون عليه تدبر حافلة كبيرة بعد ذلك لنقلها إلى كراج المعبيلة.

“هذه السيارة غرقانة، باعوها لك بعد الغرق، واضح  أنها  غرقت في فيضان بأميركا، ثم صدروها إلينا. اشتغلت أياما ،ثم كما ترى”.. كانت تلك العبارةَ التي ظلّ يسمعها كلما ذهب لإصلاحها، فقد جعلها الفيضان رخيصة، حلما في المتناول. صار لزاما عليه الآن أن يبحث عمن يشتريها، عن ضحية منقذة. وجده بعد أن خفّض قيمتها إلى النصف. وإلى أن ينتهي مبلغ الدّين، عليه أن يدفع شهرياً من راتبه.. وعليه، كذلك، أن يتابع، بانتباه، كل ما يحدث في.. أميركا.

*****

خاص بأوكسجين


قاص ورائي من عُمان، من إصداراته في القصة: "اللون البني"" (1998)، و""لماذا لا تمزح معي"" (2008)، و""صرخة مونش"" (2019)، و""ثلاث قصص جبلية"" (2020). من رواياته: ""خريطة الحالم"" (2010)، و""أوراق الغريب"" (2017)."