غرقٌ أخير
العدد 297 | 22-7-2025
نورالدين كويحيا


لا تنتظروا بِساطًا سحريًّا،

ينقلكم إلى سماواتِ الخيال البعيدة.

 

لا تنتظروا مارداً أزرقَ

يخرج من قُمقمٍ قديم،

ليعينكم على تحقيق ما استعصى

من الأحلام.

 

لا تنتظروا جدَّاتٍ يخرجن

من بطون الذئاب الجائعة

كي يقصصن عليكم

حكاياتٍ خيالية.

 

مات الشُّعراء منذ زمن،

أكلتهم القصائد

وبصقتهم المجازات

في وادي عبقر.

 

من تبقى منهم

وحيدون،

يكتبون حرفاً

وتتساقط عليهم السَّكاكين

من فوق…

 

تشرَّد الرّسامون

وضاعوا عميقاً

في لوحاتهم،

ليوناردو ابتلعته موناليزا

بعينيها اللتينِ تتبعان الخطى

والوجوه الحزينة.

 

أما النَّحاتون

فصاروا تماثيل ترجو قطرة ماء

تُذيب عنهم صلابة الطين.

 

لا تنتظروا،

هذه حقائبكم مركونةٌ في الزّوايا

افتحوها

ضعوا ثيابكم المُدماة داخلها،

ضعوا أجسادكم

ونادوا على النهر.. أو البحر

ليأخذكم إلى تاريخٍ أقلَّ ضراوة.

 

لم يعد الخيال مرآة نجاتنا،

كُسِر المستحيل

وها نحن نتأمل أشلاءنا

متناثرة في مدينة الزُّجاج.

 

لا تنتظروا،

لن يأتي الخيلُ

ولن تنقذكم السُّفن…

فهذا هو الغرقُ الأخير.

 

 

غرقٌ مُتوارث

 

جئتُ تفسيراً خاطئاً لأحزانهم

أو ربما كنت تفسيراً غامضاً

صدّقت هذه الأخيرة.

 

وقلتُ: هم لم يفهموا معاني عينيَّ

وأن الحزن المُضيء فيهما كان امتداداً لحزنهم العصي

وأن قلبي المُعتم دائماً كُتب فوق نتوئه: تُفاحة غواية.

 

جئتُ،

لكن، لم أفسِّر حزنهم

كنتُ منذ البدء امتداداً لحزنهم الطّافح فوق المسرّات

كنتُ ظلاً شبحياً يجول فوق الجدران.

 

حين نادوني أول مرةٍ باسمي المُستعار

نظرت نحوهم… لمحوا الحزن الخافت

قالوا: هو حزنٌ آخر .. .هو ليس كحزننا الأزرق هو شيءٌ آخر.

 

وحين ربّتوا على كتفي

قالوا: شيءٌ ما فيه ينبض بالحياة

تساءلوا: لماذا هو ليس ميتاً مثلنا؟ لماذا هو ليس جثةً لها أقدام تمشي بلا انتهاء؟

كنتُ هشًّا كورقِ الخريف في انتصاراته الأخيرة، لكن شيءٌ ما في قلبي كان يقفز فرحاً بالحياة.

 

مضيتُ،

قطعتُ الجداول التي تصطدم في نهاياتها بالصّخر،

قطعتُ البحر الذي يلوذُ بالفرار حين تأتي العواصفُ محملةً بأحزانٍ ماضية

قطعتُ الشَّوارع.. ومازال قلبي رملاً مكدَّسا.

 

قلتُ: هناك ربما ستمتد جذوري نحو الأسفل

وستمتد فروعي نحو السماء

ولن أحزن لأن ثماري في كل ليلةٍ تأتيها ذِئاب وحشةٍ وتقضم جزءاً منها.. ثم تفرُّ…

 

كبرتُ،

كان جسدي يمضي بضجرٍ

وكانت عيناي تحكيان موتاً قديماً

وفي صوتي نداءاتٌ لا تُستجاب.

 

مدّوا أيديهم.. قالوا: نحن هنا

نحن حبالُ نجاتك إذ تناديك الحواف بالسُّقوط

لكنهم،

كفعلٍ معهود يلفونها حول عنقي.. يقتلون النَّفَس.. الخُطوةَ.. ويمزقون أجنحةَ الحُلم.

 

ابتعدتُ…

قلتُ : لا تمدّوا أيديكم التي من صدأ

خلف مسرَّاتكم فؤوسُ حطّاب

وجذعُ قلبي يابس

وغاباتي بكل أشجارها انتحاراتٌ أخيرة.

 

خذوا هذا النَّبض، ولا تسيروا مجدداً نحو ذاكرتي.

أخذوه.. ثم ابتعدوا.. تواروا كالظِّلال ساعةَ الغروب.. وندمت!

 

الآن، كلما نظرتُ إلى كفي

لمحتُ بُقعةً زرقاء،

سألتُ: أهذا غرقهم المُتوارث؟

 

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من المغرب