نص الغفران
العدد 299 | 18 آب 2025
مها عواودة


من أول لقطة في “الحرائق” الرماد طري. درج مطبخ عالق في نصف السحب. ملعقة تنام قرب الحوض كسمكة صغيرة. كرسي يدرب ظهره على النسيان. الغزلان ليست في الفيلم، ادخلها لحظة من حرائق اخرى لتدل على الباب ثم تختفي. تمضغ نغمة وتسقط شظية تصير ثلاث نقاط على عقب طفل نائم. لا أحد يتكلم. الهواء حديد. المطر يتذكر اسمه ببطء. النار لا تشتعل، بل تتمدد من الداخل. في المساء تبقى الرائحة على الشرفات وعلى الطاولات الصغيرة التي نسيت فنجانين متجاورين. الغفران كرسي يدرب ظهره على النسيان. لا أحد يجلس.

البيت قناع بلد. أم تقول امشوا وحدكم وتغلق الباب قبل الغروب. في الحرب الأهلية الظل لا يحتاج إلى جدار. الأبواب تعرف طرقات أهلها. شرفة نصف فتحة ترتجف حين يمر اسم معين في الشارع. صندوق البريد يبتلع الرسائل ويعيد الإعلانات كأن العالم يصر على بيع شيء لبيت يخزن موتا في درج المطبخ. رائحة بلاستيك ذائب على الشباك. خط حليب حامض على الطاولة. شعرة محترقة على فنجان وحيد. المدينة تزيل نعالها كي لا توقظ الزجاج. الغفران يزحف من تحت الباب. لا نعرف هل يريد الدخول ام الخروج. الغفران يتعلم المشي.

الصمت ممثل أساسي. خشن على الجلد. خرقة باردة تمسح الوجه ببطء. يحمي ويخنق. يكدس ما لا يقال ثم يطالب بثمن بسيط وقاس ان تمشي بنفسك حتى نهاية الدرج. على الدرج حقيبة قديمة متروكة. يمر بها الجميع ولا يلمسها احد. مثل ذكرى تعرف كيف تنفجر إذا نوديت باسمها.

يا نوال لا تعودي. لا تشرحي. ضعي يدك على الحقيبة ودعي الظل يمر. الغفران يحبو.

الأسماء تعمل في الظل. جان بداية تبلل الهواء. سيمون أذن منصتة وثقل شهادة. الأسماء ليست زينة للحوار، بل خرائط مطوية في الجيب. حين ينادي كل اسم صاحبه ينهض الدور. تشرق براءة قصيرة العمر وتمشي الحقيقة خطوة إضافية نحو الفم. كانت الأم تعرف أن الطريق مليء بالحطام لكنها رأت في المشي مكاناً مؤقتاً لوضع الرأس.

امرأة تغني وتحرس المعتم. صوتها بطانية خفيفة وستارة إنذار. ليس في الأمر تزويق. الميثولوجيا هنا قفاز حرارة وزجاج ملون بين العين والمشهد يسمح لنا أن ننظر الى النار دون أن نتفحم. وظيفتها ان تؤجل احتراق الحدقة ثانية واحدة كي نرى التفاصيل الباردة ثم تتركنا أمام الجدار.

 

الضوء يرسم أقفاصاً على الجباه. مربعات باردة تهبط من أعلى الزنازين. الأصفر والأحمر للبدايات الحارة. الرمادي والأزرق للبرد اللاحق. الأبيض ومضة إدراك. الأسود يطوي النفس. الموسيقى قليلة الكلام وتسلّم الهواء حمولة ما لا يحمل. خطوات الحارس تصنع لحناً من التكرار. الحقيقة لا تطل مرة واحدة. تمر على دفعات كضوء يثقب الحديد.

على باب الثلاجة أقوال تدخل البيت كأشياء يومية. يكتب المخرج بقلم رصاص (لا أراه فيلما عن الحرب بل عن العائلة) ثم يغلق الباب برفق كي لا يرتجف الزجاج. يترك روجر ايبرت سطر سكين (مصادفة الميلاد ليست سبباً للكراهية). يعلق ديفيد ايدلستين بطاقة صغيرة (قطعة سردية استثنائية) ثم بخط أصغر (الانكشاف الأخير مفتعل). وعلى الزجاج من الخارج إصبع مجلة صلبة يخط (الطابع اللامسيّس مزعج أكثر من الالتفاف). يمر وجدي معوض ويضع ورقة خفيفة (الصمت والنسيان كثيراً ما يقدمان كشرط للسلام) ثم يطويها لأن هذا النوع من السلام يخبئ عود ثقاب في الجيب.

في مركز الأيتام بمشهد افتتاحي يثبت البرد تحت الجلد: أولاد حُلقَت رؤوسهم على إيقاع “?You and Whose Army”؛ حيث أحدهم يحدّق في الكاميرا بحدقةً تأكل المخيلة—على حد وصف ديفيد إدلستين، كان ولد ينادي امه كان نهاد يبحث عن ذراع في ماء عال. ينطق الاسم الطفولي كأن الحنجرة تحاول ان تتذكر بيتها القديم. يريد اغنية فقط. الممر يقوده الى زنزانة ابتلعت الصوت. هناك ينقلب النداء. هناك يصير الولد مغتصبا لامه. هو يناديها امه. هو لا يعرف انها امه. هذا يكفي.

(صمت سبع ثوان)

الطوق الذي اراده اغنية يتحول صرخة ضده. الحرب تبتلع ابناءها وتعيدهم بوجه لا يعرفونه. غفران الام ليس محوا. يد تمسك اليد ليعبر الظل. وغفراني أنا تصديق هذه الامكانية ولو مرة. لان ترك اليد تسقط يعني ان نستعيد الحطام بلا نافذة.

ملف 72

س الاسم

ج نهاد

س العلامات الفارقة

ج ثلاث نقاط على العقب

س صلة القرابة

ج الام تصمت

ملاحظة المفتش

الولد يطلب اغنية

الام تخفي الصوت في حجرها

(صمت سبع ثوان)

العزاء أن يبرد الاسم في الفم.

من يحاكم جلاداً إذا كان ابنا. ثلاث نقاط على العقب كعب أخيل محلي. دليل للأم ومقتل للابن. موضع ضعف ينتظر سهماً واحداً. على طرف الكادر يقف اوديب بلا صوت. جهل يصنع الكارثة. معرفة تكمل الدائرة. لا أحد يستدعيه. ومع ذلك يعرف الطريق. الام باب خلاص والباب نفسه قد يفضي الى المحاكمة. في المدن التي تحترق للمصادفة اسم آخر هو القدر. الغفران يتعثر.

الهوية ليست بطاقة في الجيب. صليب يختفي لينجو ويظهر كي لا يضيع الاسم. ثلاث نقاط ترشد وتفضح معاً. في الحرب الأهلية ما يخفيك قد يفضحك وما يفضحك قد ينجيك لحظة واحدة. الغفران ان تحمل العلامة وتمشي بها علناً. ليس فخراً. طريقة للتنفس خارج الضمادات.

ثم يأتي وقت الحجر. وصية تنفذ. قبر بلا شاهد يترك عمدا حتى تكتمل الدائرة. يصل التوأمان إلى الأب الذي هو ابن والابن الذي صار اسمين. نهاد أبو طارق. الشاهد الفارغ ليس نقصاً. طقس اعتراف قديم. الحجر يهيئ الكلام لما بعده. الحقيقة تمشي على قدميها ثم تقف. بعدها فقط يمكن أن يكتب فلترقد بسلام يا نوال. أما الشاهد الذي يجمع الغزلان فنتركه جملة واحدة واقفة بدل الأسماء هنا عيون ظلت مفتوحة لكي نغمض عيوننا أقل.

يبقى الهمس. نامي يا صغيرة. نم على الحصى. ثلاث نقاط على العقب. مفتاح صغير لغرفة بلا نوافذ. في الحلم طفل نائم. أميل لأراه فيقف الظل بيننا. ثلاث نقاط دليل يقرب ومقتل يبعد. خطوة نحو الغفران. خطوة الى الوراء. الغفران يصل متأخراً.

النهاية ليست عزاء. الغزال يصل الى الماء. يفتح فمه. لا يشرب. كلمة أولى تطرق السطح.

_____________

 

*النص مستمد من فيلم Incendies (2010) لدنيس فيلنوف.

*****

خاص بأوكسجين


كاتبة من فلسطين