زياد بين الثقافي والإيديولوجي: عن الكبسة الزايدة بالكاس
العدد 299 | 18 آب 2025
رياض ملحم


“تأمّلتُ في جسد الإنسان وشكله

ثمّ تعلّمتُ أنّ لكل إنسانٍ روحاً داخل هذا الجسد

 ثمّ تعلّمتُ في النهاية أنّ الواضح للعيان حقيقةً هو روحه ، لا جسده وشكله وحسب”.

 *جلال الدين الرومي

 

منذ ما قبل وفاة زياد الرحباني وأنا في محاولة دائمة لأكتب عنه، ولكن لم أعرف كيف وبأيّ معنى وبأيّة لغة، لأنّ زياد ليس فنّاناً وحسب، بل صورة جميلة وروحاً مذهلة يتعايشان في الجسد ذاته معاً. الآن بات الأمر أكثر صعوبةً وتعقيداً بعد وفاته، لأنّ الخوض في الكتابة عن زياد الراحل ستكون أكثر حذراً، لكونها ستخضع بلا أدنى شك لأنّها لا شكّ لعملية اكتشاف يومي. فزياد الذي كان بيننا أمسك أيدينا وعبر بنا من ضفة السكة إلى الأخرى، ونحن نستشعر بدواخلنا أنّنا نفهمه جدّاً، ولكن زياد رحل فعلقنا في المنتصف، وتركنا -ربّما- كي نعيد نحن إنتاج ما علّمه لنا، “كلٌّ حسب قدرته وكلٌّ حسب فهمه”.

الكتابة عن زياد دوماً تبدأ بما كتبه زياد. إذن الكتابة عنه تبدأ منه هو بالذات، بنبرته وسيميائه ومعجمه الذي استقاه من الحيّ والشارع والبقالة والإستديو والحانة… فكل كتابة عن زياد لا تأخذ في حسبانها هشاشة وزيف العلوّ المرمّز بالبرج العاجي، هي كتابة منافقة مهما بلغت من معانٍ. وهي إن لم تبدأ من تحت لمن هم تحت، ستكون كتابة خائنة لما تدّعيه.

عبقرية زياد، التي عرّفت عن نفسها كل تلك العقود تكمن في أنّنا للآن لم نعرفها كما يجب، رغم أن ما يعترينا هو عكس ذلك! وبعيداً عن قلّة إلمامنا بنبوغه الموسيقي وبالموسيقى عامّةً، فإنّ عبقرية زياد تنهل من كونها عاملت صاحبها بوصفه مجرّد واحدٍ من الناس له باعٌ طويلٌ معهم ومع المعاني المرميّة على الأرصفة ومع العبارة المخطوفة من لسان طبقة لم يحصل أن أرّخت لها كلّ صفحات التاريخ، بكل لغاته، إلّا نادراً جدّا؛ المطّلع على الكتابات التأريخية للشعوب والحضارات لا يلحظ وجود ذكر للمهمّشين والمنسيين والفقراء ولا لعاداتهم ومعجمهم ولا لدور طبقتهم ودورهم كجماعات في مجرى التحولات التي عالجتها كتب التاريخ. إلّا أنّ زياد فعل ذلك، ليس فقط كمثقّف يمارس دوره، إنّما كفنّان مزج البُعد الإبداعي بالثقافي وحوّلهما لمعطى أيديولوجي شامل غير محصور بنسق جامد ودوغمائي. أي استطاع أن يطوّع عبقريته من خلال تحويل الثقافي العام والمادّة الخام للسلوكيات إلى مادّة حمّالة لقضايا إجتماعية وسياسية وفكرية وفنّية، وجعل البدهي والمعتاد، مضاميناً ثورية وأطّرها بمنهجٍ أيديدولوجي مرن.

زياد نظر إلى الثقافة على أنّها نتيجة للظروف المادّية المسيطرة، أي أنّها عادةً ما تكون، وفق الفهم الماركسي، ناتجة عن القسوة والاستغلال، وربط إنتاجه الفنّي والسياسي بالتزاوج بين الإبداع والثقافة في محاولة ثاقبة لا لتسليط الضوء فقط على ما يعتري الثقافة السائدة من محمولات تعبّر عن بنية إقتصادية تعمل على تأبيد التفاوت ومعه هيمنته الثقافية، بل سعى كذلك إلى تفريغ المحتوى الثقافي وإعادة ملئه بمضمون لصيق باهتمام واحتياجات الناس. لقد عرّى زياد بفعله ذاك كلّ من انزلق إلى مواقع الفكر المسيطر، إذ يشير بكلّ ما قدّمه إلى أنّ الثقافة والإبداع لا ينشآن من فراغ بل هما نتاج تقسيم اجتماعي للعمل يفرض على فئة أنْ تكدّ وتتعب لتتيح لفئة أخرى التفرّغ للفكر والفنّ. هذا الوضع يخضع لظروف مادّية واقتصادية تخلق طبقة من “المحظوظين” وطبقة من “المنهكين”. ولربّما لم يكن يجول في فكر زياد الفنّان والمثقّف والثوري والماركسي سوى سؤال واحد: هل يمكن تبرير المعاناة البشرية إذا كانت نتيجتها إبداعاً فنّياً عظيماً؟

ولذلك فمن غير المنطقي التعامل مع إنتاجات زياد تحت تأثير نظرية “موت المؤلّف” ومن دون فهم ماركسية زياد من جهة، ودون فهم كيف نظر زياد للماركسية ذاتها من جهة ثانية، وهو الذي عرّف نفسه بأنّه “شيوعي يحبّ الموسيقى”. ما معنى ذلك سوى أنّ كلّ إبداع لا يلحظ معاناة الناس فلا منه ولا من مبدعه إذن.

لطالما شغلني في مسرحية “بالنسبة لبكرا شو” المقطع الذي يجادل به ربّ العمل الرأسمالي صاحب الحانة التي يعمل بها زكريا(زياد) وزوجته ثريّا( نبيلة زيتون) حول الكبسة الزائدة التي يضيفها زكريا لكل كأس ويسكي لزبائن الحانة. في المقطع يعاتب ربّ العمل أجيره زكريا على فعله ذاك وما يمكن لتلك الكبسة الزائدة أن تخسّر ربّ العمل ضمن حساب دقيق الأرقام والنسب… المقطع القصير هذا به تكثيف أيديولوجي وثقافي عميق وتفكيكه ماركسياً حاجة مطلوبة لفهم كيف تتداخل في إبداع زياد كل المدلولات الماركسية الأساسية التي تحفر عميقاً في بنية ثقافية سائدة بشكل عفوي وكذلك في بنية رأسمالية تستميت لتطمس عادة إجتماعية تشكّل معطى ثقافياً إجتماعياً. لا شكّ في أنّ الثقافة مفهوم أكثر رحابة من الأيديولوجيا والكثير من الموضوعات المحتواة في الثقافة مبرّأة من الإعتبارات الأيديولوجية، ولكن زياد عكس ذلك وجعل من الثقافة -بما هي بإحدى محمولاتها الدلالية، قيم وممارسات رمزية- أيديولوجيا وظيفتها الأساس أنْ تشير لتلك القيم والممارسات الرمزية من ناحية, وتوفّر تأويلات لسلوكنا تجاهها تعمل على تمويه دلالتها الحقيقيّة من ناحية أخرى. ولكن كيف فعل ذلك؟

ها نحن نعود للمقطع المسرحي المذكور ولا سيّما “للكبسة الزائدة على الكاس”.. الدلالة الثقافية لتلك الكبسة بشكلها الاجتماعي الرمزي تشبه ما نتداوله اليوم من شيء يسمّى ” يلا هيدي على البيعة..” أي شيء يُقدّم مجّاناً ولا يُعتبر مُحرِزاً بشكلٍ كبير بقدر ما يُعدّ رمزاً لكرمٍ بسيط ناتج عن عادة إجتماعية معيّنة تدخل ضمن سياق ثقافي شعبي. من هذا المنطلق، ومن وجهة نظر “زيّادية”، أخذ زياد الكبسة تلك وحمّلها بُعداً ايديولوجياً حينما جعلها محطّ جدل وعتب بين الأجير وربّ العمل خاصّة حينما اعتبرها ربّ العمل سبباً من أسباب عدم زيادة “القيمة المضافة” للربح بعد حساب دقيق، حيث الأرقام والطرح والقسمة والضرب تصير أدوات جافّة للرأسمالية ومجرّدة من أيّ حسّ اجتماعي وإنساني. الأمر الأكثر لفتاً للنظر هو حين يصحّح زياد(زكريا) لربّ عمله بعض الحسابات حول عدد زجاجات الويسكي المهدورة بفعل الكبسة تلك، في إشارة واضحة وصريحة من زياد عن التعمّد الأيديدلوجي المقصود من سلوكه ذاك.

بمقطع قصير لا يتجاوز الدقيقتين ربّما، تجاوز زياد محدوديات الشكل وقدّم -بكلّ ما قدّمه بشكل عام- عملاً فنّياً إبداعياً يحتوي على الحيوية المشعّة والمضمون الثري والصرامة المبدأية والتلقائية والعفوية المحبّبة. ولذلك عبقرية زياد هي عبقرية مركّبة وصعبة ولا يخضع تلقّيها لمجرّد الإعجاب بها، بل إنّ الدخول في معترك تفكيكها يعني الدخول إلى عالم واسع، مداخله لا تُحصى. هذا التركيب العبقري والتداخل بين الثقافي والأيديولوجي والخام والمهيمن، والفنّي والإبداعي والإرتجالي، كلّ ذلك فعله زياد، بقدرة مذهلة على إنتاج رؤية لا تكتفي بالنظرية بل تمارسها كذلك وتحثّ على ممارستها. لقد أخرج زياد الثقافة من مجرّد كونها شكلاً للحياة وأدخلها في صلب أيديولوجيا هدفها الأساس أن تعطي معنىً للإنسان يقدر من خلاله أنْ يفهم طبيعة الوضع الطبقي السائد من جهة، وأن يواجهه كذلك من جهة ثانية.. فالكبسة الزائدة هي أداة في مواجهة الطمع الرأسمالي وقيمه المضافة، أي أنّها تعبير عن رفض واعٍ لتراكم الرأسمال، ونقول التراكم لأنّه مفهوم أيديولوجي، ولأنّ الكبسة الآنفة بالمقابل لم تزد من خسارة ربّ العمل إلّا بفعل تراكمها من كأس لكأس حسبما أشار زياد لذلك في مقطعه.

وعليه، فإنّ ما علّمنا ولا يزال يعلّمنا إيّاه زياد بعد رحيله، يتجاوز المنفعة الفورية المباشرة، حتّى مزاحه ونكاته سوف نحتاج وقتاً إضافياً لفهمها حتّى ولو قرأناها ضمن سياقها. وأنّ تلك الكبسة الزائدة، أي بما تعنيه مفردة “الزائدة” التي تحيل إلى غير الضروري أو الفائض عن الحاجة، لا تعني البتّة أن لا أهمّية لها. بل على العكس، إنّ ما لا أهمّية له، المهمّش والمنسيّ والمتروك، هو تعبير عن طبقة مسحوقة لطالما نُظر إليها بأنّ لا أهمّية لها كذلك. ولذلك فقد علّمنا زياد، بما عاشه وبالكيفية التي عاش بها، أنّ كسرة خبز وشربة ماء متواضعة قادرتان على إدامة الحياة، حيث لا حاجة لأن يكون هنا فائض عن الحاجة، ذلك لأنّ الفائض الحقيقي عن الحاجة ممتصّ من كدح وكدّ الباحثين عن احتياجاتهم بحدّها الأدنى.

وزيّاد، بما هو “زيّاد” أي ذلك الذي يزيد، كان “زائداً” لإنسانيتنا. معه صرنا إنسان بلاس+.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب وصحافي من لبنان.