دائماً ما كانت تخونني الذاكرة، وهذه لربما نعمة أمام ما نعيشه.
ولكن تبقى ومضات، لحظات تتشبث بها وتأبى أن تذهب. لحظات أتجرأ وأقول عنها إنها سوريا؛ سوريتي على الأقل!
أنا من مدينة اللاذقية وعشت فيها 24 سنة قبل أن أتركها – وكما يتضّح الآن – إلى الأبد!
أبي من “حي القلعة” وأمي من “حي الصليبة” فمن البديهي لمن يعرف اللاذقية أن يتبيّن مذهبي. نعم مسلم سنّي ولكن عشت طفولتي في “حي الأميركان” باسمٍ ينتمي لكل الطوائف، أدهم عبدالله، من “الأميركان”، نعم أنا الآن مسيحي لأهل اللاذقية قبل أن يعرفوا اسم أبي هشام لأعود سنيّاً خالصاً.
الذكرى الأولى
أعود بذاكرتي إلى المرحلة الابتدائية “مدرسة ابن سينا” في “الأميركان”، ذات الغالبية المسيحية، عندما أتت معلمة أخي في الصف الأول طالبة منّي أنا أخوه الأكبر أن آتي بولي أمري/أمره إلى المدرسة لأنه قال “يلعن حنّا بأبرو” بالهمزة وليس بالقاف “قبره”. نعم لقد قالها أخي ممازحاً أصدقاءه بعبارة سمعها في حي بيت جدّي “الصليبة” وهو ابن الستة أعوام. لتذهب أمي إلى المدرسة معتذرة، متحججة بأنه “صغير ما بيفهم” و “ما منعرف من وين جايبها” و”نحنا ما منحكي هيك” و”معظم أصدقائنا مسيحيون”
الذكرى الثانية
كنت أذهب مع أبي كل يوم جمعة صباحاً للعب كرة القدم معه ومع أصدقائه منذ أن كنت في السابعة أو الثامنة… متفرجاً طبعاً حتى وصلت لسن الرابعة عشرة، عندها كان معظم الفريق من “حي الأميركان/مسيحي” مع أقلية سنّية ولاعب واحد علوي. بعد أن كبرت وبدأت أفهم قليلاً الفرق بين الطوائف والمذاهب عرفت لماذا جورج يكره اللعب مع أحمد، مع أن أحمد “لعّيب” وعندما زاد عدد السنّة شيئاً فشيئاً سمعت ولأول مرّة من أبو علي: “تعال العب معنا شو بدك بالفريق التاني كلو مسيحية”. وبعدها بعدّة أعوام كنت مع أبي في إحدى جولاته في السوق فتوقفنا عند بسام “المسيحي” ليسأله أبي عن سبب عدم مجيئه للعب الكرة فأجابه بسام “والله يا هشام خربتلنا الفريق بهدول الجداد” قاصداً المسلمين. نعم أبي مسلم سُني، – كان عليّ أن أخبركم منذ البداية بأنه محسوب على المسيحيين وعلى العلويين والمرشديين أكثر من السنّة – فردّ عليه أبي “شو بدي أعملك كلو عم يعتذر عن اللعب… بدنا نلعب”.
الذكرى الثالثة
“جول جمّال”، التي كانت ثكنة عسكرية إبّان الاحتلال الفرنسي لتصبح، كما معظم الثكنات في المدينة، مدرسة. تقع “جول جمّال” في “حي/ساحة الشيخضاهر” (كلمة واحدة وليست الشيخ ضاهر) كما هو متعارف عليها في اللاذقية. عصب المدينة وقلبها. تلتقي فيه كل الناس من كل الطوائف.
لنعود إلى المدرسة، كما “الشيخضاهر” جمعت المدرسة كل أطياف المجتمع اللاذقاني مسيحيين ومسلمين على اختلافهم. لتكون أولاً “الباحة” أو “الفرصة”/الاستراحة بين كل حصتين ساحة للشدّ والجذب بين الطوائف، فالمرشديون (“المرجديين” الجيم كما تقال في اللاذقية) يتوعدون المسيحيين، لأن فادي “المسيحي” سب الإله. قالها فادي بحكم العادة “يلعن ربك” كما يقول “مرحبا”، لتقوم القيامة في الباحة، مكمّلين العراك مع انتهاء الدوام – أي “الصرفة”. كما قامت تلك “القيامة” في يومٍ آخر عندما ضحك فارس مستهزئاً من قَسم جعفر “والإمامو علي” – بالواو طبعاً – لتأتي الزراعة كلها بأسلحتها في مواجهة مارتقلا. وقس على ذلك!
الذكرى الرابعة
أنا الآن بعمر التاسعة عشرة في جامعة كبيرة، “جامعة تشرين”، جامعة بكل معنى الكلمة، تجمع الطوائف كلها. فيها فتيات جميلات كُثر. ولكن كان هُناك ما يُعيقني بالتحدّث إلى أي منهنّ أولاً خجلي و،ثانياً عدم معرفتي بديانتهن، والسبب واضح لكل من يفهم اللاذقية وهو (تجنباً لوجع راسي وأي رأس من رؤوس العائلة). فتركّزت معظم صداقاتي مع المحجبات وهو ما يعني تسليماً بأنهن سنيّات حصراً. إلى أن رأيت فتاةً لم أر بجمالها أحد فوقعت بحبّها على الفور. هُنا بدأت رحلة من نوعٍ آخر، بدأت السؤال عنها فعرفت أن اسمها شذى، حسناً هذا لا ينفع بشيء. من عائلة يوسف. اسم كاسمي يمكن أن ينتمي إلى كل الطوائف. إلى أن عرفت مكان سكنها… الزراعة، هذا يعني أنها علوية ولا مفرّ من “وجعة الراس”. اختصاراً للقصة هذه الشذى أصبحت زوجتي بعد عناءٍ طويل مع عائلتي… لتقول أمي مبررة لمحيطنا “علوية بس منيحة” وهي جملة مُستخدمة بكثرة جداً في اللاذقية مثل “مسيحية مرتبة” أو “سنّي بس فهمان”.
الذكرى الخامسة
من صغري وأنا أخطط للسفر، لم أشعر أبداً أن اللاذقية أو سوريا بلدي، وهو ما كان مخططاً لي ولأخي بمجرّد تخرجنا من الجامعة، ولكن اندلاع الثورة في سوريا قرّب هذا الموعد. هربت، نعم هربت، ولكن برفاهية، هروبٌ مختلف تماماً عن مفهوم الهروب في أيام الحرب في سوريا، بمساعدة ابن عمي وزوجته. أمّنا لي عملاً وفيزا وأبي حجز لي تذكرة طائرة ذهاب بلا عودة. وصلت دبي يوم 19 أيار 2011. وبدأت العمل يوم 22 أيار 2011 ليكون “فيسبوك” هو صلة الوصل مع من تركتهم من عائلة وأصدقاء. والصدمة الكبرى بمن اعتقدت أنهم أصدقاء وخاصة العلويين. فسهير حجبتني بعد أن قالت لي “أنتم من خربتم البلد” وحلا نشرت قائلة إننا “جماعة مخرّبين لا نستحق الحياة”، أما شادي، الذي لم أكن أحبه أصلاً، نشر شامتاً بمقتل “الزعران والحشاشين والمحبحبين” بحسب وصفه لأهالي “الرمل الجنوبي والشيخضاهر والصليبة”.
الذكرى السادسة
سقط النظام وتوّحش كل السنّة الذين أعرفهم على وسائل التواصل الاجتماعي. من كان يتبجّح بالسلم الأهلي و”كلنا أخوات” أصبح يطالب بالثأر وعلى العلن. ومن كان يقول “شو سنّيّة وشو علويّة، كلنا ولاد البلد” كان أول من استشهد بما حدث من مجازر في عهد الأسد ليبرر القتل في الساحل ومن ثم السويداء أو في أي مكان في العالم وليس فقط في سوريا.
لكل من يقول إن السوريين ليسوا طائفيين فأدعوه لقراءة ما كتبت مرّة ومرّتين وثلاث. أدعوه لزيارة اللاذقية، ليجلس مع أطيب الناس في الصليبة من يقولون “علويين بس مناح” ليجلس مع أنقى الأشخاص في الزراعة من يقولون “سنّي بس فهمان”. فليجلس مع المسيحيين، من يقولون “مسلمين بس متل أخواتنا”.
هذه الـ “بس” هي سوريتي.
*****
خاص بأوكسجين

