رسالة إلى وهم
العدد 301 | 16 تشرين الثاني 2025
شذى كامل خليل


عندما أفكرُ بك، لا أعرف كيف أشرح الأمر، لكن على ما يبدو فإن مجرد التفكير بك، يضعني وجهاً لوجه أمام شكلٍ تكعيبيّ في لوحةٍ لسلفادور دالي.

سيكون لي على هذه الحالة، وجهٌ مثلثُ الشكل، حادُ الزّوايا، وعقلٌ مربع، وجسدٌ يشبه خطاً مستقيماً، حيث تتلاشى المفاتنُ التي تخيلتها عني في ألوان النساءِ اللواتي يحطنَ بك.

لا أدري، ثمة شيء مجنون يحدث لي حينَ أفكر، وعلى الرغم من أني أعتبرك نذلاً، إلّا أني أتجاوبُ دائماً مع فكرتكَ حول الأخلاق.

“الأخلاق وحذائي على نفسِ السّوية.”

ما يدفعني نحوَ الكتابةِ إليك، هو شيءٌ لا يقترب من الحبّ، ولا ينتمي للصداقة، فلم نكن يوماً صديقين.

لكنه بشكلٍ أو بآخر يرتبطُ بإحساسي الكبير بالفقد.

يرتبط بقدرتي على التّفاوض مع جثة في مسلخٍ دائري، حيث من المفترض أنكَ القاتلُ وأني نيةُ القتل.

نعم، أفتقدك..

بكلّ ما في الكلمة من سكونٍ مريب، أفتقد غباءَك، أفتقد لامبالاتك، أفتقدُ استغلالكَ لمن حولكَ بحجةِ عالمٍ فاضل تسعى لبنائهِ من لا شيء.

أفتقدُ إحساسي بنفسي حين تقول لي:

هل يمكننا أن نتحدثَ قليلاً؟

قلتُ لنفسي اليوم أنّي تحولت فعلياً إلى ظل.

هل كان يدهشني على الدوام، ضوؤك؟

هل كان لديك ذلك الضوء الذي يكتسح الظلمات، وينبش العتمة بأظافر حادة؟

نعم… كانت لديكَ الكثير من الحسنات، امتلكتَ الضوء، ومساماتي، وأنفاسي، نشوتي، ورعشة القلم كلما قررتُ أن أكتبَ إليك.

وامتلكتَ السيئات، الكثير منها،

وكنتُ إحدى سيئاتك.

حينَ قرأتُ رسائل هنري ميللر إلى أناييس، لم أوافق على حبٍ شاسعٍ كحبهما، كما لم أوافق على حبي لك.

وحين قرأتُ ما كتبهُ كافكا إلى ميلينا، لم أوافق على بؤسِ علاقتهما، لكني في العمق وافقتُ على تعاستي معك، وافقتُ على الذاكرة التي عُطبت مراراً، وافقتُ على رقصة زوربا الأخيرة فوق خرابي، ربما فهمت حينها كيفَ بإمكان زوربا نفسه، أنْ يعشقَ ملايين النساء، ولا يحبّ سوى واحدة.

رغم ذلك، أفكرُ أني أكرهكَ بشدة، وأنَّ هذا الكره هو ما يدفعني نحو الكتابة إليك، ولنتفق!

كرهي لك، نقيٌ مثل الأطفال، فأنا حين أفكر بكَ، أشتمُ أحاديثنا السابقة ثم أبتسم.

أحتفظُ بجميع صوركَ، وأناديها في غفوتي وفي أحلامي، وأعاقبها أحياناً بأن أختفي ولا أتفقدها.

كرهي لك حقيقيٌ وجميل في نفس الوقت.

ربما، ما يميزُ علاقتنا المنتهية أنها كانت مثل أعماقِ البحر، كلما نزلَ غريقٌ إليها، همسنا له معاً:

تنفسْ، أنتَ أقوى من الموت..

ما يحزنني ليسَ تلكَ العلاقة ذات التاريخ منتهي الصلاحية، ولا رغبتكَ الدائمة في أنْ تكون نذلاً حقيقياً، ولا المسافات الكبيرة التي تفصلنا، ولا حديثنا منتصفَ الليل..

ما يحزنني، أني حينَ عانقتكَ، تركتُ نفسي معلقةً بك إلى الأبد، وعدتُ إلي خاوية..

ما يحزنني، يا وهمي الجميل، أني أكتبُ نسياناً ثابتاً، ضمن علاقةٍ لم يكن لها اسمٌ ثابتٌ، ولم يسجلْها من أنجبها في السّجلات الرسمية.

*****

خاص بأوكسجين

 


كاتبة من سورية.