مأزق الشيخ شمسان
العدد 300 | 15-9-2025
طارق عباس زبارة


تقرؤون في ما يلي الفصل الأول من رواية “الشيخ شمسان وشركاؤه” الصادرة أخيراً عن محترف أوكسجين للنشر:

 

استيقظ الشيخ شمسان مبكّراً، إثر ألم غريب في صدره، وبدا له أنّه نام طَوالَ الليل متوسِّداً بالوناً منفوخاً بالماء. تحسّس صدره وتفاجأ بورمين كبيرين، فانتفض هلعاً من سريره، نازعاً قميص نومه، والمرآة كلّ ما يطلب! فوجئ حين طفت على سطح المرآة كتلتان متناسقتان تماماً في الجهتين اليمنى واليسرى من صدره، وكانتا بلا أدنى شكّ ثديين جميلين متناسقين.

استجمع نفسه، وهدّأ من روعه، وتوصّل إلى أنّ أفضل ما يقوم به هو الاتصال بالدكتور أبي بكر، طبيبه وحافظ أسراره.

أيقظت مكالمة الشيخ شمسان الدكتور، وحين تبيّن صوته قال في سرّه “ألا لعنة الله على هذا الجاهل الأمّيّ صاحب السلطة والنفوذ”، وتوقّع أن يكلّمه عن عارض صحّيّ تافه، ما دام هذا “الشيخ المتخلّف”، يأكل الكثير من الدسم والحلويات، ويرى في الحفاظ على اللياقة البدنيّة مضيعة للوقت، ودليلاً على الميوعة وضعف الشخصيّة، لا بل يجد المشي “كلام فاضي للمساكين والرعويين”، لكنّه إنْ مرض جرّاء ارتفاع السكّر أو الكوليسترول فعليه أن يجد له العلاج، وإن لم ينجح الأمر، فعلاج آخر أقوى من سابقه، أو أن يخضع لعمليّة جراحيّة، في الخارج طبعاً.

يتعامل مع المرض وكأنّه شيء لا يخصّه هو، بل يخصّ الطبيب، ومع أيّ عارض يلحّ على مقابلة طبيبه فوراً، غير مبالٍ إن كان في عمليّة جراحيّة معقّدة أو يقضي إجازة مع أسرته. لكنْ هذه المرّة بدا الشيخ أكثر انفعالاً! حاول الدكتور أبو بكر أن يهدّئه ويقنعه بالمجيء حين تفتح العيادة بعد بضع ساعات، لكنّ الشيخ ألحّ على لقاءٍ فوريّ.

‏نادى الشيخ، بأعلى صوته، آمراً السائق واثنين من عساكره أن يستعدّوا لمشوارٍ طارئٍ إلى عيادة الدكتور أبي بكر. ارتدى الشيخ ملابسه ومعطفه الجوخ الذي لا يرتديه إلّا في أيّام الشتاء القارسة، محاولاً إخفاء النهدين.

وصل العيادة، وطلب من عساكره الانتظار في السيّارة وعدم الصعود معه. تهامس العسكريّان فيما بينهما عن مدى خطورة المرض الذي جعل الشيخ ينهض في الصباح الباكر وعيناه متورّمتان من الفزع والخوف، ويذهب عاجلاً إلى العيادة مرتدياً معطف الجوخ في طقس حارّ كهذا!

عندما رأى الدكتور أبو بكر الشيخَ على هذه الهيئة فهم أنّ ثمّةَ شيئاً مقلقاً فعلاً! طلب منه أن يخلع ملابسه ليكشف عليه. لبّى الشيخ طلب الطبيب بتردُّد، فوقف أمامه بكرشه الكبيرة وجوربيه وسرواله مغطّياً نهديه بيديه وعلى وجهه علامات الخجل. عندما رجا منه الطبيب أن يبعد يديه كي يفحصه، نظر إليه الشيخ خائفاً، وبدأ يرتعش.

صُعق الدكتور أبو بكر عند رؤية صدر الشيخ، إذ لم يرَ شيئاً مثل هذا من قبل على جسم رجل، فقد كانا نهدين جميلين، يصلحان ليعرضا في مجلة كنموذج لجمال الصدر المتناسق من دون عمليّات تجميل، لا بل إنّهما أثارا الدكتور.

لاحظ الشيخ نظراتِ الدكتور الغريبة، التي لم يصادف مثلها من قبل، فرفع صوته منزعجاً:

– إلى ماذا تنظر يا رجل؟ عالجني ولا تحدّق بي هكذا! ما سبب هذا الورم الكبير؟ خلّصني منه فوراً.

– علينا أوّلاً أن نأخذ عيّنة من نسيج النهدين ونرسلها إلى المختبر، وإن شاء الله بعد ثلاثة أيّام تطلع النتيجة. وبعد ذلك نستطيع تشخيص المرض.

– لا! لا! لا! عالجني الآن! أزل هذا الورم اللعين الآن. لن أستطيع مقابلة أحد لثلاثة أيّام! هذا مستحيل! عندي أعمال ومهامّ، ولن أحبس نفسي في البيت كلّ هذه الفترة.

بعد أن ارتدى الشيخ ملابسه، أخرج من جيب معطفه حزمة من الدولارات وأعطاها للطبيب. طلب منه، بنبرة أقلّ حدّة:

– سرّع الأمر.

– وإن وضعتَ أموال قارون أمامي فالنتيجة لن تظهر قبل ثلاثة أيّام.

أخذ الطبيب حزمة الدولارات قائلاً:

– هذا مقدّم كافٍ إلى حين استكمال العلاج.

‏وقف العسكريّان للتحيّة ولحقا بالشيخ الذي اتّجه مسرعاً إلى السيّارة.

ولج الشيخ شمسان البيت بسرعة لافتة، وفي البيت تجنَّبَ أيّ حديث مع أهله. اتجه مباشرة إلى غرفته وأغلقها بإحكام منتظراً النتيجة.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب وباحث يمني ألماني. درس الآداب وعلوم اللغات في "جامعة لودفيغ ماكسيميليان" في ميونخ وحصل منها أيضاً على الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية. له خبرة واسعة في تحرير وترجمة الأعمال الأدبية من لغات عديدة إلى الألمانية. "الشيخ شمسان وشركاؤه" هو أول إصدارته بالعربية.