الليلة، في مطبخ جدتي، رأيت ألف امرأة ميتة تحرّك يديها بالإيقاع ذاته. واحدة، واحدة، يعجنّ العجين نفسه. القمر يسرق الضوء من أظافرهن.
عاداتنا أشباح صغيرة. تأكل معنا. تنام في أسرّتنا. تُجيب الهاتف بأصواتنا.
هناك رجل عجوز يقف عند ناصية الشارع. يرفع إصبعه للسماء كل صباح. يموت الآن، والإصبع لا يزال يتذكر.
أسأل أمي: لماذا تضعين الملح فوق الباب؟
تقول: لا أعرف. هكذا فعلت جدتي.
في متحف الحضارة، زجاجة فارغة داخل صندوق زجاجي. العلماء يدرسون شكلها. لا أحد يتساءل عن الطريقة التي كانت تُفتح بها. تلك الحركة الصغيرة للإبهام. ماتت مع آخر من شرب منها.
أتخيل اجتماعاً لكل الإيماءات المنقرضة. إشارة للسماء قبل المطر. حركة يد كانت تعني “احترس من الذئب”. هزة رأس كانت تعني “الماء هنا”. يجلسون جميعاً في غرفة مظلمة، مثل لغات لم يعد أحد يتحدثها. ما زالت جدتي تغني للقمر وهي تنشر الغسيل. لا تعرف أنها تؤدي طقساً لإلهة القمر “سين” البابلية. ما زال صوتها يرتعش في المكان المناسب من الأغنية، حيث كانت الكاهنات يرتعشن قبل أربعة آلاف سنة.
الأشياء البسيطة أكثر صعوبة في التوثيق. كيف يمسك الصياد العجوز شبكته. كيف تعقد المرأة منديلها فوق رأسها. كيف يُنقر على الباب عند زيارة مريض. هذه أشياء لا تستحق متحفاً، لكنها تستحق الحياة.
حاولت يوماً أن أرسم حركة يد أمي وهي تقشر البرتقال. استغرق الأمر ثلاثين رسماً. في كل رسم، كان هناك شيء مفقود. الطريقة التي يلتف بها إبهامها حول القشرة. شكل الظل تحت سبابتها. الارتجافة الصغيرة قبل أن تغرس الظفر. وأدركت أن مئات الأجيال قد قشرت البرتقال بالطريقة ذاتها.
في محل الحلاقة، يرفع الحلاق يده هكذا قبل أن يبدأ. يفعلها بلا تفكير. جده كان يفعله. وجد جده، وجد جد جده. ربما كانت حركة سحرية في الأصل، لحماية الرأس من الأرواح الشريرة. الآن، هي مجرد عادة. إيماءة فارغة. قشرة تراث ميت.
يخبروننا أن هناك 1340 رقصة شعبية مهددة بالانقراض في العالم العربي. يحصونها. يصنفونها. يضعونها في قوائم. ينسون أن الرقصة ليست خطوات، بل هي رعشة في الروح. الجسد يتذكر ما نسيته العقول.
ثلاثة أشياء لا يمكن توثيقها: رائحة المطر على التراب، الصمت بين كلمتين في قصيدة، والخوف في عيون رجل يتذكر الحرب.
تركت قريتي منذ عشرين عاماً. اليوم، أطرق على خشب الطاولة عندما أذكر شيئاً جيداً. لماذا؟ لا أعرف. هل للأشجار في قريتي القدرة على سماع الآن؟ العادات هي الطريقة التي تبقى بها الأماكن فينا بعد أن نغادرها.
في متحف صغير في برلين، شاهدت فيلماً وثائقياً عن “العتابا” الفلسطينية. صوت رجل عجوز مسجل بعناية. الكلمات مترجمة. الإيقاع محفوظ. كل شيء موثق. لكن أين تلك الرجفة في الصوت عندما يقول “يا هالربع”؟ أين رائحة الأرض في كلمة “الوطن”؟ أين الذكريات المشتركة التي تجعل الدمع يترقرق في عيون المستمعين عند سماع مقطع مُعيّن؟ هذه أشياء لا تسافر عبر الشرائط والأفلام.
العادات الجديدة تولد كل يوم. امرأة شابة تلتقط هاتفها بطريقة معينة. شاب يُرتب ملابسه في خزانته وفق نظام غريب. طفل يلمس الشاشة بإيقاع لم يكن موجوداً قبل عشر سنوات. كلها ستصبح تراثاً يوماً ما. ستنقرض. سيحزن عليها أحفادنا.
عظام أصابعنا تحمل ذاكرة كل ما لمسته أيدي أسلافنا؛ الخبز. السلاح. الجلد. الطين. وجوه الموتى. كل حركة تكررت آلاف المرات حتى صارت جزءاً من هيكلنا العظمي. نحن متاحف متحركة.
كان الجد يمسك سيجارته هكذا- بين الإبهام والسبابة، قريبة من الشفة.كانت الجدة تقلّب صفحات القرآن هكذا- بطرف إصبعها المبلل قليلاً. كان الخياط يقيس القماش هكذا- بعرض كفه. كلهم ماتوا. لكن الحركات باقية، مثل أشباح معلقة في الهواء.
عندما أموت، ستختفي معي طريقتي في ربط الحذاء. نقرتي على الباب. الطريقة التي أمسك بها القلم. سيختفي كل هذا، إلا إذا ورثها أحدهم. العادات البسيطة أيتام يبحثون عن آباء جدد.
في الصباح، ألاحظ أنني أفرك كفّي قبل الأكل، تماماً كما كان أبي يفعل. وكما كان أبوه يفعل. سلسلة من الرجال يفركون أكفّهم عبر قرون. لا أعرف متى بدأت الحركة أو ماذا كانت تعني. لكنني أعرف أنني آخر حلقة في سلسلة طويلة من الحركات المتشابهة.
الليلة، وأنا أنام في سرير فندق في مدينة غريبة، سأضع حذائي بجانب السرير بنفس الطريقة التي كان جدي يضع بها حذاءه. سأطفئ الضوء بنفس الإيماءة. سأتنفس بنفس الإيقاع. في هذه الحركات الصغيرة، يبقى الموتى أحياء. وفي هذه الحركات نفسها، نتمرن على موتنا الآتي.
*****
خاص بأوكسجين

