“جولة في جمهورية الحُبّ” صباح الخير يا ثورة!
العدد 257 | 13 حزيران 2020
نوار عكاشه


لا يمكن للتغيير السياسي الذّي تنتجه الثورات أن يُؤتي نتائج فعلية ملموسة تقلب الأحوال سريعاً، فَالأمر أعقد وأكثر تطلباً للوقت والصمود، وإن كان الأساس والانطلاقة الفعلية لباقي التغييرات من اقتصادية واجتماعية وثقافية…، فَالأمر مرهون بالتراكمات والصبر لتحقيق الآمال.
بارقة أمل عن تغيير حاصل في قطاع الإعلام تلمع على شاشة تلفزيون السودان القومي بعد الثورة، هي العرض الأول للفيلم الوثائقي «جولة في جمهورية الحُبّ» (2020، 40 د)، انتاج: “كردفاني فيلمز”، يوم 3 يونيو من العام الحالي 2020.
يكتسب هذا العرض أهميته كونه على منصة إعلامية قومية، وفي الذكرى السنوية الأولى لمجزرة فضّ اعتصام القيادة العامة الشهير، تلك المنصة التّي حجبت وقائع الحادثة حين حصولها وادعت بِالسوء على المتظاهرين السلميين محاولةً طمس حقيقة نضالهم المشروع وهدر دماء شهداء الثورة.
لم يكن لأكبر المهرجانات السينمائية في العالم ولأيّ توقيت أن يحقق للمخرج السوداني محمد كردفاني (1983) ما حققه هذا العرض من رضا ذاتي لإنسان ومواطن وسينمائي صنع فيلماً عن قضية وطنية عايش يومياتها ولامس تفاصيلها ببنفسه.
بِعيون تشعُ بُشارة، وابتسامات تغرِف وتعطي البهجة من مُحياها إلى الأجواء، وأصوات تعلن رغبتها المتكررة أن يكون “صباح الخير”؛ يفتتح “كردفاني” فيلمه هذا، فَيجعلنا نرد التحية الصباحية أنّ ينعم أولئك بالنور وينقشع ظلام الاستبداد عنهم.
نجد أنفسنا حقاً في جمهورية الحبّ، ونُجول مع شعبها في ثورته البهية.
الحقيقة كَمعلومة؛ تُشير أنّ المكان هو ميدان القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، والزمان شهر رمضان من العام 2019، والحدث اعتصام الثوار للمطالبة بِإسقاط الحكم العسكري للبلاد.
لكن الشريط في طرحه وصياغته يعتبر تلك الحقيقة مجرد معلومات يستند عليها كَقواعد لصناعة الفيلم الوثائقي، فَمع مرور الدقائق الأولى نفهم أنّ “كردفاني” يريدنا أن نشاهد بهجة الحقيقة في فيلمه دونما أحكام مسبقة عن ميادين الثورات التّي عرفناها بِأفلام من شتى بقاع الأرض غلبت عليها مظاهر البؤس والمظالم والصراعات، ونتيقن أننا أمام ما يمكن تسميته بِقصيدة شعرية بصرية عن إرادة الشعب ومعنى عظمة الثورات.
الحال هنا مختلف تماماً، فَالمكان أصبح جمهورية بِالحبّ، ذلك بِما شاءه الشعب، قد أعلنوا الثورة على الكره وأشكاله، فَاتخذوا الفنّ سلاح مقاومة.
نجدهم يغنون أغانٍ وطنية وثوريّة تمجد الإنسان والحرية والعيش الكريم، يرسمون الوشوم والأقنعة على أجسادهم الفتية، يزينون جدران الميدان بِلوحات وشعارات المقاومة، يرقصون بِنشوة العزّة في الشوارع، يعزفون الموسيقا، أو يصنعوها من وقع ضربات الحجارة على حديد الجسور فتنبض القلوب على أنغامها.

ضحكاتهم حاضرة دوماً، وهتافاتهم تزكّي نفوس سامعيها، ينادون بالمدنية والعدالة والمساواة والكرامة، وما مطالبهم سوى رغبتهم المحقة بِانعكاس جمال ذواتهم على دستور بلادهم، كي يتحقق طباق الوطن والمواطن بِأفضل حال.
نشاهد هنا أصالة الثورة ومعناها النبيل، ذلك ما افتقدناه في غيرها من ثورات المنطقة التّي تشوهت بِفعل تدخل التعصب والإرهاب، أو بِما نالها من أهوال ومآسي قمع الأنظمة الحاكمة ما أدى لِوأدها.
في جمهورية الحبّ لا مكان للخطأ، والثورة هنا بمأمن عن محاولة اغتيالها، هنا السلمية شرط قطعي، والأخلاق نظام حاكم.
يلفتنا الاعتصام في تنظيمه، كما يلفتنا تعاضد وتكاتف الحاضرين والتزامهم بِاللاعنف لتحقيق غايتهم بِعزيمة وثبات، نرى مقومات الدولة وبناها التحتية بِسواعد شعبها، طبابة، زراعة، إذاعة محلية، شاشة عرض أفلام، إطعام جماعي، حملات تنظيف، شروط أمان… جميع ذلك بتنظيم وجهود ذاتية.
يُحسِنُ كردفاني التقاط المواد التسجيلية في فيلمه بِعين الباحث لا المراقب، يذهب للحدث كي تسجل كاميراه جماله بِإنفعالاته وتفاعلاته الحيّة وبِتفاصيله الحقيقية المُبهجة. فَالمخرج (كما شخصيات فيلمه) يعرف جيداً معنى المدنية والطرق السليمة والصحيحة للمطالبة بها، فَيبحث عن التقاطات توثق اختلاف ثورة بلاده، ويعلم جيداً أنّ عليه صناعة وثيقة يجابه بها زيف الإعلام الرسمي والأكاذيب المصنعة مسبقاً من اتهامات باطلة للثوار تسعى لتشويه سمعتهم وقولبتهم ضمن وسوم الفوضى والتمرد السلبي وغيرها من ادعاءات نمطية يعلنها الإعلام الرسمي.

يحافظ كردفاني بصرياً على صدق الحالة وغرضه البحثي؛ بِاعتماده الإضاءة الطبيعية وخيار الزاوية الأمامية للكاميرا بنسبة غالبة في تصوير الوقائع، هذا الخيار يتيح له استكشاف وتوثيق الأفعال والمرويات بِأفضل التقاط، ويَحكم المُشاهد بِتتبع مباشر مع شخصيات الفيلم، لاسيما مع خيارات القطع والمكساج التّي اعتمدها وأعطت سلاسة للأفكار وتدفقاً شعورياً للموضوع، فضلاً عن طبيعية سينوغرافيا المكان الحميمي، ما جعل المشاهد يندمج مع الشريط لدرجة الرغبة بالتواجد داخل الحدث!
ينتهي الفيلم بِالحبّ كما ابتدأ، ليكون وثيقة لأيام وذكريات الثورة المجيدة، لكن دون أن يقدم معلومات عن مصير الاعتصام، فَيشعر المُتلقي بِأن الاستجابة لمطالب المعتصمين نتيجة حتمية دون تردد أو تباطؤ.
هنا يتساءل المُشاهد ويعتريه الفضول، وهو ما أراده كردفاني كي يحثّه على البحث ومعرفة المصير بنفسه، كما أنّه لم يشأ أن يقدم في شريطه سوى توثيق حقبة زمنية محددة من الجمال الثّوري تاركاً للمُشاهد الباحث أن يجرب صدمة معرفة المصير المأساوي المخضب بِدماء الشهداء بعيداً عن الشاشة.

 *****

خاص بأوكسجين

 


ناقد سينمائي من سورية.