لم تمضِ اثنتا عشرة ساعةً على جولته الأخيرة، التي خلَصَ فيها إلى أنّه لا أعطال محتملة، حتّى تلقّى اتصالاً حمل أمراً لا محيد عنه: “تجوّلْ في أرجاء البيت، وتأكّدْ من التجهيزات الكهربائية. تأكّدْ من كلّ شيء”.
كانت لهجة المتصل حاسمة، لا تقبل التساؤل. فَهِمَ حسن على الفور أنّ الأمر يتعلّق بعمل يتطلّب جاهزيةً كهربائيةً تامّة وهو من السرّية بحيث لا يمكن للمسؤول عن البيت الإفصاح عنه. استنهض فهد المسترخي في ما يشبه النوم، ونهض بجهوزيةٍ تامّة حاملاً عدّته ومقاييسه.
“لنبدأ بالمولّدات فهي الأهمّ في مثل هذه الظروف”. قال فهد بصوتٍ رخو لكنّه يحمل يقيناً مدروساً. ثمّ نزلا إلى القبو. وأردف: “في حالةٍ كهذه يجب تشغيلها، لا يكفي الكشف الخارجي، لا بدّ أن يكون هناك ما استدعى المسؤول عن البيت للتأكيد على جاهزيّتها، ولا يمكن أن يكون الأمر اعتياديّاً”.
تأكّدا من جاهزيّة المولّدات بعد اختبارها بدقّة، ثمّ صعدا إلى الطابق الأعلى. فحصا اللوحات الكهربائية ومُنظِّماتها. استكملا جولتهما في جميع أرجاء البيت، الجولة في هذه الحالة يجب أن تشمل الحديقة والمرآب والسور، وأن يتفقّدا الكابلات والأسلاك الخارجية، وهذا ما فعلاه، ثمّ مضيا تجاهَ الصالة الواسعة، عندما دخلاها كانتْ هناك مجموعةٌ من النسوة ينظّفْنها، ويلمّعنّ الزجاج والرخام، يُرتِّبْن الطاولات، بينما انشغل رجلان بإصلاح إحدى النوافذ المكسورة. همس فهد بنبرةٍ تحمل يقيناً:
– حفلة… لا شكّ أنّ هناك حفلة اليوم.
– وما دورنا نحن؟
– دورنا أن نبقى متيقِّظين جاهزين لأيّ طارئ، ويمكنكَ الاستمتاع بالغناء وبكأس ويسكي، وسترى شخصياتٍ لم تتوقّع أن تراها في حياتك.
توقّف للحظة، ثمّ أشار بيده نحو أجهزة الصوت والإضاءة:
– علينا أن نتفقّد دارة الصوت الخاصّة بالميكروفونات والإضاءة. هذا جزء من مسؤوليّتنا. أمّا الميكروفونات، فهي من اختصاص يسار، لكنْ لا بأس أن نتفقّدها، وإنْ كان فيها عطل نستدعِهِ فوراً. هذا مهمّ جدّاً، لا مجال للأخطاء في مثل هذه المناسبات.
ابتسم حسن بخفّة، وقال:
– يبدو أنّكَ أكثر حماساً من المعتاد”.
ردّ فهد بابتسامة مريبة:
– في أجواء كهذه، الحماس جزء من المهمّة.
تفقّدا داراتِ الصوت والأضواء، ثمّ خرجا من الصالة. مضى فهد إلى الخلف، وهو يقول:
– علينا تفقّد مدخل الصالة الجانبي، أغلب الضيوف القادمين من الخارج سيدخلون منه، أمّا مَن هم في البيت فسيسلكون المدخل الرئيسي.
أنهيا جولتهما. فكّر حسن بأهمّية دور فهد الذي يعرف طقوس البيت من نشاط القائمين فيه وعليه، إضافة إلى خبرته في مهنته. يجب عليه أن يتعلّم ويعرف هذه الأمور بسرعة، أن يحيط بكلّ ما يتعلّق بعمله، لا على الصعيد الفنّي فحسب، بل بكلّ ما يتعلّق بالتفاصيل الخاصّة ببيت المعلّم.
قال فهد:
– في ظرفٍ كهذا علينا أن نتوزّع، وأنا سأبقى عند المولّدات، يسار سيكون في الصالة قريباً من دارة الصوت، وفايز يبقى في المكتب، أمّا أنت أستاذ، فستكون في الجهة الأخرى من الصالة، وحاول أن تجعل المعلّم يراك.
– نعم!
ردّ حسن وهو يفكّر، كلّ شيءٍ هنا يجب أن يجري بدقّة.
رأى حسن خلال الجولة مجموعة من الأشخاص للمرّة الأولى، لفتتْ نظره صبيّةٌ صغيرة مراهقة لم تبرح ملامحها غضاضة الطفولة تتجوّل في ردهات وجنبات البيت بعينين وسعتهما الدهشة تتأمّل الأشياء والأشخاص. عندما مرّ حسن توّقّفتْ رمقته بنظرةٍ طفولية فضولية أربكته، اجتازها وبعد خطوات التفت إليها، ما زالت على نظرتها وقد وقفت في وسط الممرّ، في عينيها ما يوحي بأنّها تهمّ بالكلام لكنّها لم تفعل، تحرّكت شفتاها وكأنّها تتحسّس شيئاً علق بهما، رمشت عيناها كمن يتأكّد من حقيقة رؤية ما، استوى نظر حسن إلى الأمام، وسأل فهداً:
– من هذه؟
– لا أدري، لا تسألْ! فما ترغب في معرفته اليوم ستعرفه غداً، هذا لو كان ذلك متاحاً لي ولك، السؤال مَضرّةٌ هنا.
– نعم… نعم. ردّد حسن، ثمّ أردف:
– لكنّه سؤالٌ ليس وراءه شيء.
– كيف يكون سؤالاً وليس وراءه شيء؟ في هذه الحالة لا داعيَ له، رغم المعرفة القصيرة بيني وبينك أعتبرك كأخي لأنّك طيّب، لا تسأل أحداً ولا أمام أحد، وإن لم تضطرّ فلا تسأل إلّا عمّا يعنيك.
أكملا جولتهما صامتَين، صمتاً ظاهرياً تداعى خلفه كلام وأحاديث سمعها قبل أن يأتيَ إلى هنا، أغلبها من عسّاف الذي يشرب إلى أن تتحوّل نفسُه إلى سَهْبٍ لا يحدّه شيء، فضاء للبوح. البوح بكلّ شيء؛ تكلّم حينها عن فتياتٍ جميلاتٍ يأتين إلى بيت المعلّم، أو يُجْلَبْنَ إليه، لا يفهمْنَ من الدنيا سوى ذلك المجد والرغد الذي سينلْنه من مقاربتهنّ المعلّم، هل هذه الفتاة منهنّ؟ في عينيها تطلّع الأمل والبراءة، ذلك التطّلع المستند إلى ثقة غضّة بجمال تعوّل عليه الكثير، عينا تلك الفتاة يمكنك أن تراهما في أيّ قريةٍ من تلك القرى الفقيرة، التي ما زالت تبحث عن رعاية أبويّة إلهيّة وتؤمن بها.
تناول فهدٌ من المكتب ورقةً صغيرة، وكتب عليها وهو يغطّيها بيد: لا تتكلّمْ عن شيءٍ يخصّ المعلّم هنا ولا تسأل أو تناقش، يمكن أن تكون كلّ زاويةٍ خاضعةٌ للمراقبة، ويمكنهم سماع كلّ ما تقوله، عليك بعملك فقط، لا ترُدّ الآن ولا تستفهم، اقرأْ فقط.
دفعها أمامه، قرأها وأراد وضعها في جيبه غير أنّ فهداً سحبها وطواها. قام إلى الحمّام، وعاد وهو ينفض يديه في إشارةٍ إلى الانتهاء منها، ثمّ قال:
– أنصحك أن تنام قليلاً بعد الغداء، ستسهر الليل كلّه، ويجب أن تبقى متيقّظاً.
– لا تخفْ أنا معتادٌ السّهرَ، ولكنْ لا بأس بقيلولة.
– سنقوم بجولةٍ أخيرة بعد العشاء. قال فهد وخرج من الغرفة.
– نعم ليكن. ردّ وكأنه يكلّم نفسه.
نهض حسن إلى النافذة، في الحديقة أمامه مجموعةٌ مشغولة بالتعشيب وتشذيب الأشجار، وفي البعيد إلى الأعلى بانت ذؤابات جبل أجرد كأنّها منبتّةٌ عن أصلها تتوضّع على أبنية المدينة المتطرّفة، عاوده وجه الصبيّة التي رآها منذ قليل، ندّتْ عنها نظرةٌ حالمة وآسرة، عينان بريئتان لمراهقةٍ تكتشف أنوثتها وتتباهى بها، أنثى غريرة رأت نفسها في كلام الآخرين في نظراتهم وفي مرآتها وصورها، فجعلت من أحلامها طيفاً لحياةٍ قادمة.
حاول أن ينام بعد الغداء من دون جدوى، نهض وأعدّ الشاي، تناول رواية أتى بها لشغل أوقات الفراغ في حال المناوبة، لكنّه ألقاها بعد دقائق. قرَّب كرسيّه من النافذة المطلّة على الحديقة وجلس يُنقّل ناظريه بين الحديقة وخارجها، أغفى على هذه الحالة لدقائق، ثمّ أفاق على جلبةٍ من الباب الخلفي للسور، حيث رأى أشخاصاً يحملون معدّات صوت خاصّة بالحفلات. كلّ شيءٍ يبدو على ما يرام لكنّه قلق رغم أنّ وجود فهد بجانبه وهو الخبير في هذا العمل يطمئنه قليلاً.
بدأت الحفلة في التاسعة مساء، العاملون بكامل استنفارهم، ملامحهم منفرجة الأسارير لأنّ المعلّم في مثل هذه الأوقات يكون منشرحاً وودوداً، وإذا كان في ذهنك أيّ طلب فهذا هو الوقت المناسب، هذا ما أخبروه به.
لم ينتبه أحدٌ لدخول المعلّم وضيوفه، وجدوه بينهم وبرفقته رجلٌ يقال إنّه شيخ إحدى القبائل الكبيرة، ويمتلك أراضيَ واسعة.
همس فهد: “صديقه التقليدي وضيفه الدائم، لا وقت لمجيئه وذهابه، ولا أحد يعرف متى يكون في البيت، ربّما يدخل في آخر لحظة، وقد يكون هناك مدخل سرّي، الشباب يحبّونه في نهاية السهرة يرشرش “مصاري” على الجميع”، وفرك إبهامه بسبّابته.
دخلت بعده شخصيّاتٌ أخرى، رجالٌ رأى وجوههم من قبل، ونساءٌ كأنهنَّ منحوتات من شمع، ناعمات جميلات.
لم يُسمح لأحدٍ في البداية بدخول الصالة سوى عناصر الحماية المباشرة، أمّا بقيّة العاملين فقد توزّعوا، كلٌّ في عمله. جلس حسن قرب لوحة الكهرباء متحفّزاً ومبهوراً بالجوّ الجديد.
مضت أكثر من ساعةٍ على بداية السهرة، استقرّ اللغط وهدأت الحركة. كانت تعلو من وقت لآخر ضحكاتٌ من مكان جلوس المعلّم وضيوفه تتصاعد إلى قهقهات، خاصّةً من قبل الشيخ الذي تفرَّد بقهقهةٍ ممطوطة ومتراخية، بتكسّرات حادّة، يُنهيها بما يشبه الزفير، يتناول بعدها منديلاً ورقيّاً يمسح فمه وشعْر ذقنه ويلقيه كيفما اتفق، ليتلقّفه أحد الواقفين جانبه، ويدسّه في أحد العلب المزخرفة.
على طاولة المعلّم والشيخ جلس شخصان آخران، قال فهد إنّهما تاجران من أكبر تجّار البلد، كانا يتصرّفان بكياسةٍ ويتزلّفان بحركاتهما. قريباً من طاولة المعلّم جلستْ أربع نساءٍ على طاولة خاصّة، وعلى الطاولات الأخرى توزّع الباقون.
من عمق الصالة، صدح صوتٌ أنثوي صافٍ ومعبّر، لقد سمع هذا الصوت وتلك الأغنية من قبل، نفحٌ حسّي مشبع بالجمال جعل “حسن” ينهض ممحّصاً الزاوية التي أتى منها الصوت باحثاً عن صاحبته، لكنّه لم يرَ أحداً يغنّي، ربّما كانت تغنّي وهي جالسة! لكنّ المطربة ما لبثت أن دلفت إلى الصالة بفستانٍ أبيضَ مهفهفٍ بدت فيه كغيمةٍ تسري في الصالة، قيل فيما بعد: إنّ المعلّم هو من اختار لها هذا الأسلوب في دخول الصالة، والزيّ أيضاً الذي أذهل الشيخ.
المطربة معروفة، ليست شهيرة، كان يسمع صوتها كثيراً في الإذاعة، ويتخيّل شكلها على غير ما رآه، لها عدّة أغنيات، عرف فيما بعد أنّها زوجة أحد رجال المعلّم.
تهلّل وجه المعلّم وتابع المطربة بنظره، وهو يهزّ رأسه بما يوحي أنّه انسجم مع الأغنية، بينما كان الشيخ يصفّق بحماسٍ، وينتر رأسه بشكل غريب.
بدأ المعلّم يضحك بصوتٍ عال، ويضرب فخذه اليمين بكفّه اليسرى، وهي عادة قال أحد المسؤولين من رفاقه إنّها رافقته منذ الطفولة. هكذا هو في حالات الندّية التي يكون جليسه من مستواه، يعود إلى سجيّته ويتصرّف بطفولةٍ أحياناً، لكنّ هذا لا يلغي مزاجيّته المتقلّبة كما هو شهر شباط، التي كان يحاذرها كلّ العاملين. فقط في حضرة الشيخ تنتفي هذه المزاجيّة نهائياً.
لم يستطع الشيخ الخروج على حركاته المعتادة ولهجته المقعّرة القويّة، وفي كلّ ما يفعله تتبدّى تلك الحالة الموصوفة بعدم التوافق العصبي العضلي، خاصّةً في رقصه الميكانيكي، فحركات ذراعيه وقدميه الفجائية المتوتّرة والمشدودة تتعاكس مع تصلُّب جذعه واتجاه رأسه وتتناقض مع رجرجة كرشه، لم يكن في موروث الشيخ رقصةٌ تناسب هذه الحفلة، لذلك بدا مرتبكاً، وهو ما أسرّ به إلى المعلّم وأردف قائلاً:
– لو أنّكم أتيتم بيسرا البدوية.
ردّ المعلّم:
– سأبعث وآتي بها فوراً تكرم يا شيخ.
– لا داعيَ، لا داعي… في المرّات القادمة.
لكنّ المعلّم صاح:
– محيي الدّين.
مَثَلَ أمامه رجل أدّى التحيّة ووقف متأهّباً، قال دون أن ينظر إليه:
– أريد يسرا البدوية هنا خلال نصف ساعة.
أجاب الرجل بارتباك:
– سيّدي يسرا ماتت من سنتين.
حوّل المعلّم نظره إليه، وحدّق الشيخ أيضاً فيه بدهشةٍ وقال:
– خلص، ماتت الله يرحمها ما كنت أعرف.
أومأ المعلّم لمحيي الدّين أن ينصرف، وقال موجِّهاً كلامه إلى الشيخ:
– المرّة القادمة لا تقبل إلا بسميرة توفيق.
كانت رقصة المعلّم تليق بالكبار تدرّب عليها كثيراً، رقصةٌ هادئة جليلة ودقيقة الحركات، ولكنّها واعدة كأنّها ترهص لعاصفة، هذه هي رقصة الكبار، رآها من قبل في الأعراس والاحتفالات الوطنية.
ينهض الكبير بهدوء، يلّوح بيده كمن يعلن عن وجوده، ثمّ يبسط كفّه اليمنى على رأس ينحني قليلاً، ويدور على نفسه مرحّباً بالحاضرين، ثمّ ينقل قدميه نقلاتٍ رشيقةً وراسخة لينفلت بعدها في حركات تصيح وتصرخ، تهمس وتتأوّه ثمّ ينتفض بشموخ مَن تسامى على الدنيا. هذا هو رقص الكبار الذي تدرّب عليه كما قال البعض، وقال آخرون إنّه ورثه بفعل مورّثة طاغية لا محيد عنها، طبعته بطابع أهل بلدته الرابضة على السفح الغربي لجبل اعتلته مقامات لأولياء من بني هاشم لم يصلوا إلى هنا قطّ.
الطاولات المحيطة بطاولات المعلّم وضيوفه كانت شاغرةً لكنّها معدّةٌ للطعام، يلتفّ حولها رجاله ببدلاتهم ذات اللون الحديدي، عيونهم على المعلّم، حريصون كلّ الحرص على حسن سير الأمور.
أصبحت حركات المعلّم متراخيةً، كأنّها ناتج عضلات مخضلة، بينما امتطّت شفة الشيخ قليلاً، وصارت كلماته معوجّةً هلامية.
توقّفت المطربة عن الغناء في فاصل أمر به المعلّم، نزلت عن “البيست”، ومضت تُجاه طاولته، نهض الشيخ مهلّلاً، بينما أشار لها المعلّم بالجلوس من دون أن يتحرّك من مكانه. التفت إلى الخلف، رفع يده ورسم بها إشارة هابطة، بحركة سريعة جلس الرجال الواقفون متوزّعين على الطاولات بفرحٍ ودون جلبة، عبّرت عن ذلك ابتساماتهم.
على الكراسي الأبعد جلس العاملون إلّا من يقتضي عمله البقاء واقفاً، دلَفوا إلى الصالة بهدوء وأخذوا كراسيهم ووجوههم شاخصةٌ نحو المعلّم. بدأ الجالسون الجدد بتناول الطعام، نهض المعلّم، وقف الجميع، أشار بيده أن يجلسوا ففعلوا، صعد المنصّة ببطء برفقة أربعة رجال تحلّقوا حوله، بدأ بكلمةٍ رحّب بها بالشيخ والضيوف جميعاً ذاكراً أسماء البعض، ثمّ رحّب برجاله والعاملين لديه، وانتقل إلى الحديث بكلّ شيء، الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد. كان يتكلّم كمن يتوجّه إلى شخصٍ يجلس بجانبه، لكنّه ما لبث أن اشتدّ صوته، وأخذه الحماس شيئاً فشيئاً، حتّى أصبح كمن يوجّه سير معركة، يقطع خطابَهُ من وقتٍ إلى آخر تصفيقٌ حادّ.
أنهى كلمته، وهمّ بالنزول عن المنصّة، هبّ الجميع، وانطلقت هتافات من أنحاء الصالة، في لجّة تصفيق حادّ، حيّاهم بكلتا يديه، ثمّ شبكهما بشدّة في حركة تمجّد الاتحاد والقوّة.
حسن نهض كغيره، صفّق وهتف، هو الذي لم يفعل ذلك قطّ حتّى عندما كان في طلائع البعث، لم يحفظ التصفيق الطلائعي حتّى الآن، سبق أن قال له محمّد اصطيف: “ستفعل ذلك… ستفعله إمّا بفعل الخوف أو الشعور الجمعي”.
بأيّ دافع يصفّق ويهتف الآن! ليس الخوف، لم يشعر بأيّ خوف ليفعل ذلك، هل هو الشعور الجمعي؟ فكّر في ذلك بينما كان الشيخ ينهض، ويشير بيده، ليهرع رجل يحمل طبقاً مذهّباً، تكوّمت عليه مغلّفات بيضاء، بدأ يوزعها على رجال المعلّم والعاملين الذين تأهّبوا لذلك بفرحٍ واضح.
تلكّأ حسن في مدّ يده عندما وصل الرجل دافعاً الطبق أمامه، لكزه فهد وهمس:
– ليس من اللباقة رفض عطيّة الشيخ.
تناول المغلّف وتلفّت حوله، ثمّ وضعه على الطاولة بإيحاءٍ أنّه لن يأخذه. عقّب فهد، وكأنّه عرف ما يجول في خاطره:
– ضعه في جيبك، لا أحد يهتمّ بما تفعله، بكلّ الأحوال أنت أخذته.
تناوله ببطء، قبض عليه بكفّه كمن يحاول إخفاءه، ثمّ وضعه في جيب سترته. تلفّت حوله، دعكه إحساس من هو مراقَب، فتلحلح بجسده وتنحنح، ثمّ استوى في جلسته، وكأنّ شيئاً لم يحدث.
منذ وصوله إلى هنا، هو يخضع لهذا الإحساس، ربّما لا أحد يراقبه ولا يهتمّ لأمره، وهو من يراقب نفسه، نعم! لو تتبّع خطواته لأدرَكَ أنّه يتغيّر، لا بل قبل وصوله بدأ تغيُّره، منذ تلك اللحظة التي قال له عسّاف إنّهم يريدون مهندس كهرباء لبيت المعلّم، “جيّد فنّياً وثقة”، وأنّه يستطيع طرح اسمه. ومع قبوله أحسّ بأنّه خرج من نفسه قليلاً، ما لبث أن برّر ذلك بحاجته وضرورة أن يبني نفسه، فالراتب كان مغرياً.
يوماً بعد يوم تبدّل أسلوبه في التعامل، بدأ ذلك بكلامه وخطابه، جرت على لسانه كلمة “معلّم” التي يمقتها، كذلك غيّر لباسه ومظهره. آراؤه التي كان يطرحها بكثير من الحماس ركنت إلى الهدوء وغاب بعضها، لم يعد يقرأ إلّا قليلاً، انتبه أيضاً لتغيُّر علاقته بعسّاف الذي أصبح يعامله بشيء من الرسمية والحذر.
تواردت هذه الأفكار وهو يراقب نقرة المعلّم.
نهض المعلّم وضيفه الشيخ، فنهض الجميع بشكل عشوائي. توقّفت الموسيقى. دار المعلّم على نفسه، وأشار إلى محيط سقف الصالة. بعد لحظات وقف أحد رجال المعلّم أمام حسن، وقال:
– المعلّم يريدك بسرعة… “يلّا”.
– أنا؟ ردّ بشكل عفوي. ثمّ استدرك بارتباك:
– حالاً.
عمل في المسافة القصيرة التي قطعها في الصالة على تدعيم رباطة جأشه، ها هو أمام الوجه الصارم، أمام المعلّم.
– احترامي معلّم!
ردّ المعلّم بهزّةٍ خفيفة من رأسه دون كلمة. لمح الوجه الذي طالما حيّره، وأصبح لارتباكه طابعٌ آخر، ثمّة ما هو ممسوح في وجه المعلّم، غشاوة تهيمن عليه، ويبدو على وَشْكِ النوم.
– الشيخ يقول إنّ هناك نظامَ إضاءة جديد أفضل من هذا، أريد تغيير الإضاءة بالكامل، سيرسل من طرفه من يعرف النظام الذي يقول عنه، نسّق معه وبدون تأخير.
ألقى المعلّم أوامره، وهو يمشي وحسن يتبعه مع المجموعة، مضى دون أن ينظر في وجهه ثانيةً، تبعه الضيوف والحضور بتسلسلٍ غريزي قائم على سويّة العلاقة معه، خرج الأقربون، ثمّ الأقلّ قرباً وهكذا. تلكّأ حسن في الخروج، كان يرقب حشد الخارجين بفضولٍ وشرود، جفل عندما مسّته عينان بخضرةٍ عميقة شاحبة، عينا الصبيّة التي رآها نهاراً في ردهات البيت.
دخل عناصر المعلّم الأقلّ شأناً، أولئك المكلّفون بالحراسة وأعمال الخدمة، الذين لم يحضروا الحفل، البعض همّ بالأكل وآخرون شرعوا يجمعون الطعام ويعبّئونه في أكياس ليأخذوها معهم.
———-
الفصل الأول من رواية “الدوَّار الجنوبي” التي ستصدر قريباً عن “محترف أوكسجين للنشر”.
*****
خاص بأوكسجين

