رحلة قصيرة
العدد 275 | 28 كانون الثاني 2023
محمود الرحبي


 

إسماعيل أخذ زوجته أمل من صحار إلى مسقط لقضاء ليلة في فندق. كان ذلك أول مبيت للفتاة خارج بيت أهل زوجها. كانا قد تزوجا قبل أسبوعين، وحان الوقت الآن لترى أمل عالماً جديداً ولو ليلةً واحدة.

تدبَّر إسماعيل أمر حجز الفندق باتصالات أخذت منه نصف ساعة.

خطا أمامها إلى بوابة الفندق. بعد جولة نهارية طويلة في “مول مسقط”، رأت الزوجة أول مرة شيئاً أكبر من الدكان الذي اعتادته في حارتهم، بل سلسلة من دكاكين في مبنى واحد، المسالك بينها باردة. كانت تتبين كل ذلك بشيء من الدهشة الصامتة من خلف برقعها الشفاف.

حفظ مسقط وشوارعها بعد أن قضى فيها سبع سنوات وحيداً. كان يعمل في “شركة نور الكهربائية”، وكان المساء ملكه كاملاً. استأجر شقة برفقة ثلاثة شباب قرويين يعيشون في مسقط للغرض نفسه؛ جمع المال ثم الزواج في قراهم.

أخذ اسماعيل شهراً إجازة لكي يتزوج، ولم يتبق لديه الآن سوى أسبوع، لذلك فكَّر في أن ترى زوجته مسقط التي يعمل فيها، قبل أن يرجعها إلى صحار، ثم بعد ذلك يعود أدراجه إلى العمل في مسقط والعيش وحيداً طيلة خمسة أيام، ثم في يومي نهاية الأسبوع يعود إلى غرفته، في صحار، التي لم تعد فارغة في غيابه.

إسماعيل كان يلعب دورالمرشد الحر. استطاع أن يجعل زوجته ترى ما يشاء، وأن تستعمل السلم الكهربائي أول مرة في ذلك اليوم. تشبثت بكتفيه وهي تصعد أمام أنظار جميع من كان هناك. كانوا ينظرون إلى إسماعيل لأنهم لم يتمكنوا من أن يروا وجه زوجته. تحمَّل سهام النظرات ومنَّى نفسه بأن كل شيء سوف ينتهي ويعودان إلى الفندق، ثم سيلتحق بزميل عمل ضرب معه موعداً جادّاً، حسبما أوهم زوجته.

ترك زوجته في غرفة الفندق وخرج مستعجلاً. إنه وقت “الهابي أور”، قال لنفسه، عليه أن يظفر بعلتبي بيرة قبل أن يلتحق بمقهى الشيشة. “زميلي في العمل ينتظرني”، قال لزوجته. عليه أن يلتحق به قبل أن يضجر وينسحب.

قبل أن يخرج من الغرفة قرأ لزوجته دليل الفندق، وعلمها كيف تضغط أزرار الهاتف. يمكنها أن تطلب وجبة من دليل الطعام. كما أشعل لها التلفزيون. تركها بعد أن طبع قبلة على شفتيها.

بعد أن كرع علبتي البيرة، هبط إلى المقهى وطلب شيشة معسل تفاحتين. طلب مبسماً جديداً، وتحت تأثير الموسيقى الغربية الصاخبة وعلبتي البيرة، صار يرتشف دخان الشيشة بنشوة مضاعفة.

أنهت أمل صحن طعامها، ثم أطلت برأسها من الباب. تأكدت من خلو الممرات من أي كائن بشري. كانت حاسرة الرأس. تركت الصحن الفارغ في الخارج، ولكن حين رجعت وجدت باب غرفتها مغلقا.ً

هجم عليها الرعب. خافت من أن يظهر أحدهم. خافت أكثر من أن يأتي زوجها فجأة ويراها على هذه الهيئة.

لم تجد بالقرب منها سوى سلة زبالة. وببديهة الخوف أخرجت الكيس الأسود من تلك السلة وألبسته رأسها، ثم فرجت بأصبعها أربعة فروج لترى وتتنفس.

هرعت فزعة إلى “الاستقبال”. ذُعِرَ الموظف عند رؤيته الهيئة المخيفة في الليل.

ولكن حين خرج صوتها الناعم المرتجف من وراء الكيس الأسود، فطن إلى أن حدثا وقع.

حين جاء إسماعيل تصنَّعت أمل هيئة النائم. وجد عينيها مغمضتين فتسلل بحذر إلى السرير، إلى جانبها ونام.

فتحت أمل عينيها في الظلام.

 

*****

خاص بأوكسجين

 

 


قاص ورائي من عُمان، من إصداراته في القصة: "اللون البني"" (1998)، و""لماذا لا تمزح معي"" (2008)، و""صرخة مونش"" (2019)، و""ثلاث قصص جبلية"" (2020). من رواياته: ""خريطة الحالم"" (2010)، و""أوراق الغريب"" (2017)."