نيوارك الاستوائيّة
العدد 148 | 24 آذار 2014
فيليب روث/ترجمة أسامة منزلجي


   أول حالة بوليو ظهرت في صيف ذلك العام في أوائل شهر حزيران، بعيد يوم الذكرى مباشرة، في حيّ إيطالي فقير يقع في الطرف المقابل للبلدة التي كنا نعيش فيها. في الزاوية الجنوبية الشرقية من المدينة، في القِطاع اليهودي التلمودي، لم نسمع أي شيء عنه، ولا سمعنا أي شيء عن الحالات الأخرى التالية التي ظهرت كلٌ على حِدة في أرجاء نيوارك وشملتْ كل حي تقريبا ما عدا حيّنا. ولكن في عيد الاستقلال، عندما أصبح عدد الحالات التي ظهرت في المدينة حتى ذلك الحين أربعين حالة، ظهرت مقالة على الصفحة الرئيسة من الصحيفة المسائية تحت عنوان “مسؤول الصحة يُبلغ الآباء بضرورة الاحتراس من البوليو”، حيث نُقِلَ عن الدكتور وليم كيتل، مدير هيئة الصحة، تحذيره الآباء بضرورة مراقبة أطفالهم عن كثب وبأنْ يستشيروا طبيبهم الخاص إنْ ظهرت أعراض على أي طفل كالصداع، أو التهاب الحلق، أو الغثيان، أو تصلّب العنق، أو آلام المفاصل أو الحمّى. وعلى الرغم من أنَّ الدكتور كيتل اعترفَ بأنَّ أربعين حالة إصابة بالبوليو هي أكثر بمقدار الضعف مما يُسجَّل عادة في هذا الوقت المُبكِّر من موسم البوليو، إلا أنه أراد أنْ يكون مفهوماً بجلاء أنَّ المدينة التي تعداد سكانها يبلغ 429000 نسمة لا تعاني بأي حال من الأحوال مما يمكن اعتباره “وباء البوليوميليتيس”. وفي هذا الصيف كما في كل فصل صيف، هناك سبب  للقلق ولأخذ الاحتياطات الصحية اللازمة، ولكن حتى الآن ليس هناك من سبب لشيوع الذعر الذي أظهره الآباء، “كافٍ بقدر مُبرّر”، قبل ثمان وعشرين سنة، في أثناء أكبر انتشار لمرض سُجِّل حتى الآن – وباء بوليو عام 1916 في الجزء الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة، حين كانت هناك 27000 إصابة، و 6000 حالة وفاة. وفي نيوارك وقعتْ 1360 إصابة و 363 حالة وفاة. 

   وحتى في العام الذي يظهر فيه عدد متوسط من الإصابات، وتنخفض فرص انتقال عدوى البوليو إلى أقلّ بكثير مما كانت عليه في عام 1916، أشاع مرضٌ شالّ يترك الأطفال مُعاقين ومُشوهين إلى الأبد أو عاجزين عن التنفُّس خارج جهاز تنفس صناعي معدني أسطواني الشكل يُسمّى بالرئة الحديدية – أو يمكن أنْ ينتقل من شلّ عضلات التنفُّس إلى القتل – أقول أشاع بين الآباء في حيّنا خوفاً هائلاً وعكَّر صفو أطفال تحرروا من المدرسة خلال أشهر فصل الصيف وتمكنوا من اللعب خارج بيوتهم طوال النهار وحتى أمسيات غسقيّة طويلة. وكان الخوف من العواقب الوخيمة للإصابة الخطيرة بالمرض مقرونة بغياب الدواء الذي يُعالج من ذلك المرض أو لقاح يوفّر المناعة ضده. كان البوليو – أو شلل الأطفال كما كان يُسمّى عندما ساد الاعتقاد بأنَّ المرض يُصيب بالدرجة الأولى الأطفال – يمكن أنْ يُصيب أي شخص، بدون أي سبب ظاهر. وعلى الرغم من أنَّ الذين يُعانون من الأطفال هم ممَّن لم يتجاوزا السادسة عشرة، إلا أنَّ البالغين أيضاً يمكن أنْ يُصابوا إصابات حادة، كما حدث للرئيس الحالي للولايات المتحدة.

   كان فرانكلين ديلانو روزفلت، أشهر ضحايا البوليو، قد أُصيب بالمرض وهو رجل في التاسعة والثلاثين وفي ذروة حيويته ولاحقاً اضطُرّ إلى قبول المُساعدة في أثناء السير، وحتى حينئذٍ كان مُضطراً إلى الاستعانة بحمّالة من الجلد والفولاذ تدعمه من كفليه إلى قدميه ليتمكن من الوقوف. وقد قامت المؤسسة الخيرية التي أسّسها الرئيس في أثناء وجوده في البيت الأبيض، مسيرة القروش، بجمع المال لإجراء البحوث ولتقديم المساعدة المالية لعائلات الضحايا ؛ وعلى الرغم من أنَّ الشفاء الجزئي أو الكامل أمر ممكن، فذلك فقط بعد أشهر أو سنين من المعالجة المُكلِفة في المستشفى ومن إعادة التأهيل. وفي أثناء الجولة السنوية لجمع الموارد المالية، كان أطفال أميركا يتبرعون بقروشهم في المدرسة للمساهمة في مكافحة المرض، فيُسقِطون قروشهم في علب يحملها العمال الذين يقودون المشاهدين إلى مقاعدهم في دور السينما ويتنقلون بينهم، وظهرت مُلصقات تُعلن ” أنت أيضاً تستطيع أنْ تقدِّم يد لمساعدة !” و “ساعدنا في مكافحة البوليو !” على جدران المتاجر والمكاتب وفي أروقة المدارس في أرجاء البلاد كافة، مُلصقات تبيِّن أطفالاً على كراسٍ متحركة – فتاة صغيرة جميلة تضع داعمة ساق تمصّ إبهامها بحياء، وصبياً صغيراً شديد الوضوح يضع داعمة ساق يبتسم بانتصار مفعم بالأمل – مُلصقات جعلت إمكانية الإصابة بالمرض أمراً واقعياً بصورة مُخيفة للأطفال الأصحاء. 

   كانت فصول الصيف في نيوارك الوضيعة شديدة القيظ، ولأنَّ المدينة مُحاطة جزئياً بأراضٍ سبخة مترامية – وهي مصدر رئيس لمرض الملاريا عندما لم يكن هناك من سبيل لإيقاف انتشار هذا المرض، أيضاً –  كانت تتجمّع حشود من البعوض يجب ضربها وإبعادها كلما جلسنا على كراسي الشاطئ في الأزقة وفي ممرات السيارات ليلاً، سعياً وراء ملاذ خارج أبواب شُققنا شديدة الحرارة، حيث لم يكن يتوفر غير الدش البارد والمياه المثلجة لتلطّف الحرارة الفظيعة. هذا كان قبل مجيء تكييف الهواء المنزلي، حين أصبحت مروحة كهربائية سوداء صغيرة، توضع على طاولة لكي تُحرّك النسيم في الداخل، تقدَّم بعض الراحة عندما تصل درجة الحرارة إلى منتصف الثلاينيات، وهو ما حصل مراراً في صيف ذلك العام على امتداد أسبوع أو عشرة أيام. خارج المنازل، كان الناس يُضيئون شموع الأترجيّة  ويرشون قاتل للبعوض والذباب اللذين كان معروفاً أنهما ينشران مرض الملاريا، أو الحمى الصفراء، وحمى التيفوئيد، واعتقد كثيرون، بدءاً بمحافظ نيوارك دراموند، الذي أطلقَ حملة ” اطردوا الذباب ” في أرجاء المدينة كلها، أنه يحمل مرض البوليو.وعندما تنجح ذبابة أو بعوضة في اختراق ستائر شقة إحدى العائلات أو تلج من خلال باب مفتوح، تُلاحَق الحشرة وتُضرب بمضرب الذباب وبمادة مُضادة للحشرات خوفاً من أنْ تحط بقوائمها المُحمّلة بالجراثيم على أحد أطفال المنزل النائمين ويُصاب الصغير بمرض البوليو. ولما لم يكن أحد يعلم بمصدر العدوى، يُصبح كل شيء مثاراً للشك، بما فيه قطط الأزقة الهزيلة التي تغير على حاويات القمامة في الأفنية الخلفية والكلاب الضالة المنهكة التي تجوس خلسة بدافع الجوع حول المنازل وتتبرز على أرجاء الرصيف كله والشارع والحمام الذي يهدل فوق قِباب المنازل ويلوث ببرازه  الطباشيري الشرفات الأمامية. خلال الشهر الأول من انتشار الوباء – قبل أنْ تعرف هيئة الصحة أنه وباء – باشرت هيئة الصحة العامة حملة منظمة للقضاء على العدد الهائل من قطط الأزقة في المدينة، على الرغم من أنه لا أحد كان يعلم أنَّ الأمر يتعلق بالبوليو أكثر من القطط الأليفة.

   أما ما كان يعلمه الناس فهو أنَّ المرض مُعدٍ إلى أقصى درجة ويمكن أنْ ينتقل إلى الأصحاء بمجرد الاقتراب الجسدي من المُصابين أصلاً. ولهذا السبب، ومع ارتفاع عدد الإصابات باطراد في المدينة – ومعها الخوف الجماعي – وجد العديد من أطفال حيّنا أنفسهم محرومين من استخدام بركة السباحة العامة في المتنزه الأولمبي في منطقة إرفنغتون المجاورة، ومحرومين من ارتياد دور السينما المحلية “مكيَّفة الهواء”، ومحرومين من ركوب الحافلة إلى المدينة أو نعبر داون نك إلى جادة ويلسون لكي نشاهد فريقنا الرياضي الصغير، ذا نيوارك بيرز، يلعب مباراة في البيسبول في ملعب روبرت. لقد حذّرونا من استخدام المراحيض العامة أو النوافير العامة لشرب الماء أو من تناول جرعة من زجاجة صودا تخص شخصاً آخر أو من الشعور بقشعريرة أو من اللعب مع أولاد غرباء أو من استعارة كتب من المكتبة العامة أو من التكلم من هاتف عام مدفوع الأجر أو من شراء أطعمة من بائع متجول أو من الأكل إلا بعد غسل أيدينا جيداً بالماء والصابون. كان علينا أنْ نغسل الفاكهة كلها والخضار قبل أنْ نأكلها، وعلينا أنْ نبتعد عن أي شخص يبدو عليه المرض أو يشتكي من أية أعراض تشي بإصابته بالبوليو.

   اعتُبر الفرار من حرّ المدينة كله وإرسالنا إلى مخيَّم صيفي في الجبال أو في الريف هو أفضل حماية للطفل ضد إصابته بالبوليو. وكذلك قضاء فصل الصيف على بُعد حوالي ستين ميلاً على شاطئ نيو جرزي. والعائلة التي لم يكن في استطاعتها تحمّل تكاليف ذلك تستأجر غرفة نوم مع مطبخ في نُزُل في برادلي بيتش، وبقعة من الرمال، وممشى خشبياً، وفي أكواخ على امتداد ميل كانت مشهورة أصلاً منذ بضعة عقود بين يهود شمال جرزي. هناك كانت الأم والأطفال يرتادون الشاطئ لكي يستمتعون بهواء المحيط المنعش والمُنشّط على امتداد أيام الأسبوع وينضم الوالد في العطل الأسبوعية والعطل الأخرى. وطبعاً، سُجِّلتْ إصابات بالبوليو في المخيمات الصيفية كما على شواطئ المدن، ولكن لأنها لم تكن كثيرة كما الأعداد التي تظهر في نيوارك، ساد اعتقاد واسع بأنه، في حين أنَّ المناطق المحيطة بالمدن، بأرصفتها القذرة وهوائها الراكد، تسهّل الإصابة بالعدوى، فإنَّ الاستقرار على مقربة من البحر أو بعيداً في الريف أو في أعالي الجبال يُعتَبَر ضماناً جيداً لتفادي الإصابة بالمرض.

   إذن كان المحظوظون الأثرياء يختفون من المدينة في فصل الصيف بينما تمكث بقيتنا فيها لكي نفعل بالضبط ما لا ينبغي علينا أنْ نفعل، بالنظر إلى أنَّه ظُنَّ أنَّ ” فرط الإجهاد ” هو سبب آخر ممكن للإصابة بالبوليو: كنا نلعب مباراة بعد أخرى من البيسبول والسوفتبول طوال النهار على إسفلت فناء المدرسة الملتهب، ونتراكض طوال النهار وسط أعلى درجات الحرارة، نشرب بظمأ من نافورة المياه امحرّمة، وبين المباريات نجلس على مقعد واحد متزاحمين، قابضين في طيات ملابسنا على قفازات البيسبول المتهرئة، الوسخة، التي استعملناها في الحقل لكي نمسح العرق عن جباهنا ولمنعه من دخول عيوننا – نهرِّجُ ونواصل اللعب بقمصان البولو المتقوعة بالعرق وأحذيتنا الرياضية ذات الرائحة الشنيعة، جاهلين كيف أنَّ جهلنا قد يُفضي بأحدنا إلى الاحتجاز داخل رئة من حديد وإدراك أشد مخاوف الجسد بثّاً للرعب. 

________________________

  – الأترجيّة : عشب عطِر ، يُستخرج منه زيت يُستخدم في صناعة العطور والصابون وما شابه .           – المترجم

_____________________________________

من رواية “روح الانتقام” Nemesis 

 

الصورة للمخرج المصري عمرو بيومي

*****

خاص بأوكسجين