ما أثقلك يا أيها السوري
العدد 188 | 01 آذار 2016
هيفين تمّو


حِينما  سَّألتني مُعلمة إبنتي في الروضة الألمانية  

“هيفّين لماذا أتيتم إلى هُنا؟”

لم أستطع الإجابة على سؤالها  و لم أَكُن أصغي لِنداءها و ملامح وجهها وهي تراقبني  

كما لو أن صوتي ارتدَ لحُنجرتي وارتطمَ بالمسافات العارية.. 

ماذا لو  قلتُ لها إنني إبنة شَّهيد؟ 

أو أخبرتُها عن تِلكَ البلاد المنتشرة بالقتلى 

المسلوبة والمدنسة

عن صَرخات المُعتقلين وخَراب أرواحهم ..

عن ذاكرةٍ وحيدة لم تعرف سوى اللجوء وحالةٍ من عدم التوازن 

عن الجدران التي تتطاول حين تُلاحقها أصوات من رَحلوا 

عن خُوذةِ جُنديٍ زُرعت بالضوء وأُرسلت للعشيقة التي فُجعت بموته 

لكنني اختصرت كل العاصفة بكلماتٍ قليلة “قُتل أبي هُناك” 

ولأن لغتي الألمانية ضعيفة أجبتها بالإنكليزية

My father was killed there!

 

ولأنني لا أُحبذ فكرة مراقبة الغرباء لي في هيكلٍ حزين

   

ابتسمتُ أمامها كمصدرِ قوة تتدلى من خاصرتي ولا تتبدد في الهواء .

…    

يبدو أن هناكَ الكثير من المشاعر لا يمكن التحدث عنها الا من خلال ترجمتها  كرسائل الجنود العائدين من جحيم الموت، وحكايا الغرقى حين يرتحلُ الجسد عنها، والمفقودين الذين أضاعهم الله في بلادٍ ليست لهم، والجثث المتكدسة في شاحناتٍ غريبة إلى أن  وصلت روائحهم كرسائلٍ قربان للسماء العالية.

لنعرف معنى الحرية علينا تجربة الألم.

فكيف تزهر ظلالنا المسافرة من دون أن تلحق بنا؟ 

وكَم تفضحنا ذواتنا المشوهة كذئابٍ تعوي في المنفى؟ 

وكَم حرباً علينا أن نخوضها  لِننهضَ بوطنٍ يَنزُ وجهه بماء الحب؟ 

لا شيء يكشفُ للغرباء أننا مجرد حُطامٍ مشدودٍ بأحلامٍ مصلوبة تتلمسُ طريقها بجرحٍ أعمى و بدماملٍ مفتتة. 

 كلنا حُطام لدهاليزٍ مظلمة، أقبيةٍ يتقلب فيها الشيطان، كالعدم حين يفقأ بوجهٍ عابس ضغينة الصعاليك في ظهيرةٍ أكلها الجوع.

ما أثقلكَ  أيها  السَّوري  و أنت  تمضي  في العالم كشراعِ  قاربٍ  يَكيلُ به الهواء ويَسقطهُ  بحراً، يرسَّمهُ كَتيهٍ عالق بين أصابع الله ..  

أحياناً أتلفتُ لِظلي في شوارع هذه المدينة أتحسَّسهُ إنْ كانَ لايزال مملحاً كجثة، وأحياناً أُخرى يخنقني أن يَعبرني البحر الذي لم أغرق فيه، أن تَهديني الحرب زاويةً أو ركناً صغيراً في مكبٍ للنفايات البشرية، أضع هُناكَ أصابعي في أُذني وأتفسخ وحدي كزهرةٍ على قبر ..

 في المدينة الألمانية حيثُ أسكن، لا أثر للحرب فيها، لكنها الذكريات حينَ تلعقُ وجهي كَكلبٍ وَفّي، تستغيثُ بي حين تظهر على زجاج نافذتي، في أصوات الحياة في الشوارع وهي تتركُ خطوطاً وألواناً ذهبية. 

يَحدث كثيراً أن أعودَ لِماء الدفء الأول في حالةٍ جنينيةٍ محمية من كل الحروب ونذورها، تكفيني لأبقى بعيدة عن الموت وقريبة جداً من الحياة.

سَتنتهي الحربُ يوماً ما.. ستنتهي .. 

 وسَأرددُ على مَسامعِ الله وتفاصيل وجهه كل الأشياء المتراصة بثقل ٍ في فروة رأسي، سَأُردد على مَسامعِ الجدران وأثاث بيتي الجديد  وحديقتي الخضراء الصغيرة ونباتات الزينة التي لا اُجيدُ الاعتناء بها.

كَم مَرةٍ نَهضَ ظِلُ الله في قلبي؟ 

كَم مَرةٍ  تَحسسَ العراء الممل في جِدار الروح ونسي بقايا الطين على أصابعه؟ 

لا أثر للدمار هنا، للعتمة، لكنه الليل حين يموتُ وحيداً كَبقايا رصاصةٍ فارغة أعجزُ عن إمساكها بيدٍ تُجرجرُ ظِلها تَحت سَّاق شجرةٍ مقطوعة، تَبصقُ على كُل العالم وإهاناته. 

لا حَّد للحياة كلما مَّرت بنا البلاد 

حِينما كَان هُناكَ شَّيْءٌ أبعد، أعمق، كَالضوء الذي لم نستطع الوصول اليه.

انا والبلاد في زُجاجةٍ واحدة نريد الحياة حتى لو تَعثرنا بكل الرؤوساء المجانين والقادة العسكريين والقَتَلى، وكل الحزانى و اليتامى، وكل العُشاق.. سَنمضي قُدماً وتنتهي الحرب.

________________________________

كاتبة من سورية مقيمة في ألمانيا

اللوحة من أعمال التشكيلي السوري نذير نبعة الذي فارقنا في 22 شباط 2016

*****

خاص بأوكسجين


كاتبة من سوريةrn

مساهمات أخرى للكاتب/ة: