أضواء
العدد 294 | 25-5-2025
فلاديمير كورولينكو | ترجمة: عمران محمد أبوعين


في إحدى المَرَّات، وفي مساءٍ خريفيٍّ مُظلم، صادفَ أنّي كنتُ مُجدّداً على نهر سيبيريا القاتم المُتجهِّم. وفجأةً، عند مُنعطف النَّهر، تحتَ الجِبال المُظلمة أخذَ ضوءٌ بالوَميض.

أخذَ الضَّوءُ يُومِضُ بِقوّة، وبشكلٍ قَريبٍ جدّاً …

-قلتُ بفرحٍ: الحمد لله، باتَ مكان الإقامة قريباً!

استدارَ المُجدِّفُ، وأخذَ ينظرُ لمكانِ الضّوء، ثم انحنى على مَجاديفه.

  • بعيداً!

لم أُصدِّقْ ، فقد كانَ الضّوء واقفاً وبارزاً على القمّة الغَامضة. لكن تَبيّن أنَّ المُجدِّفَ كانَ على حق، فقد كانتْ الأضواءُ بعيدةً.

فهذه الأضواء اللّيليّة تُومِضُ ببريقها كأنّها تبدو قَريبة، وتقهرُ الظُلمة والعَتمة، تتألقُ وتُوعدُ وتُنذرُ بقُربِها، وتُوحي وكأنّها على بُعد خَطوات، ضَربة أو ضربتين بالمَجاديف … وسنصلُ، لكنّها ما زالتْ بَعيدة!

طويلاً بقينا نَطوف في النَّهر، طُفنا بين الصُّخور والوديان، تحرّكنا وطُفنا…بدا الطريقُ وكأنّه لا نهاية لهُ، وبقيتْ الأضواءُ صامدة كما هي في الأمام، مُتألقة ومُتلألئة ، قَريبة هي وبَعيدة في الآن ذاتهِ…

عادةً ما أتذكّرُ هذا النَّهر المُظلم بِجبالِه الصّخريّة، وهذه الأضواء الحيّة، ففي السابق واليوم، كانتْ هذه الأضواء سبباً في جَذبِ العَديد، وليس أنا فقط؛ لسُطوعِها الّذي يُوحي بِقُربِها.

فالحياةُ تَتدفَّقُ على نفسِ تلك الشواطئ الكَئيبة ،ولكنَّ الأضواء ما زالتْ بعيدة، ومُجدّداً ما زِلنا بحاجةٍ إلى الاعتماد على المَجاديف…

وعلى كُلِّ حالٍ… فهُنالك أضواء في الأمام!

(1900)

*****

خاص بأوكسجين

 

 

 

 


كاتب روسي (1853 – 1921)، عُرف برواية "الموسيقي الأعمى" (1886)، عدا عن مجاميع قصصية وكتب أخرى، مثل "الابن ماكارا" (1885)، و"غمضة عين" (1900) و"حكايا سيبيرية" (1901).