“صراط”… تفاهة الموت وعبثيته
العدد 305 | 13-2-2026
زياد عبدالله


تترافق مشاهدة فيلم “صراط” Sirat لأوليفر لاشي، مع أسئلة من قبيل: أين هي الحكاية؟ أين الحبكة ؟ لا بل إن السؤال الأخير يُختزل إلى: أين هي الأحداث وإن لم تجتمع في حبكة؟ يمكن الاكتفاء بداية بالإجابة: إنه “فيلم طريق”، ومع ترامي المسافات تصبح مشغولاً بتكوين المشاهد واللقطات، مأخوذاً بها، وتتذكر عنوان الفيلم والاقتباس الذي يبدأ به: “الصراط جسر أدق من الشعرة وأحدُّ من السيف”، فتتوقف كل تلك الأسئلة!

ما من عائق في ما تقدّم يحول بينك وبين متابعة الفيلم، وأستحضرها هنا للتدليل على قدرة الفيلم على تغييبها، وهو يضرب عرض الحائط بقواعد السيناريو، متأسساً على موتيفات متمحورة حول ثيمة، لا يكون دورها الدفع بالحكاية وتعزيزها، بل المضي قدماً من المحشر الجميل، هذا ما أسمّي به Rave التي تعني الحفلات الصاخبة التي تقام في أمكنة مفتوحة ومبان مهجورة، وهذه الحفلات في الفيلم مقامة في قطعة من صحراء المغرب وقد اجتمع عدد كبير من الرجال والنساء وهم لا يفعلون شيئاً سوى الرقص على أنغام “التكنو” والانتشاء بالحشيش والمخدرات. من هنا تنطلق رحلة الفيلم، بعد انفراط عقد هذا الجمع بقوة العسكر الذين يجبرونهم على ذلك.

القصة وما فيها أن لويس (سيرجي لوبيز) يبحث عن ابنته، ومعه ابنه استيبان وكلبه. يبحث عنها ولا يجدها في “المحشر الجميل”، وبالتالي فإنه يرافق مجموعة من “الهيبز” ممن يعيشون على الطرقات العابرة للحدود، بعد أن ينجحوا بالهرب من قبضة العسكر الذين يسعون إلى ترحيلهم. وهكذا تبدأ الرحلة باتجاه محشر آخر في صحاري شمال أفريقيا. من الطبيعي أن يكون لويس عبئاً على من رافقهم، وأن يعرقل مضيهم الحثيث نحو وجهتهم، طالما أنه يخوض ذلك للمرة الأولى، وسيارته أقل من عادية، لا تحتكم على مزايا تمكّنها من تخطي صعاب ووعورة الطرق الصحراوية، إلا أن كل ذلك يذلل، وتتعزز علاقته وابنه وكلبه مع من يتبعهم، وهم ثلاثة رجال (واحد منهم مقطوع اليد وآخر مقطوع الرجل)، وامرأتين، تحملهم شاحنتين أشبه ببيوت متنقلة.

يمضي الوقت سريعاً في الفيلم، من دون ترقب أي شيء، بينما تذلل مصاعب الطريق، حيث تقتصر المحفّزات على الاستثمار في البيئة وتكوين المشاهد، على شيء من إحساس بأجواء قيامية أو آخروية “يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات”، كما لو الأحداث تقع في العالم الآخر، بعد قيامة ما، إلى أن نصل صعود القافلة الجبل، وهنا يتجسد عنوان الفيلم، وتتقدّم الشاحنتان وسيارة لويس على الصراط، ويتبدى الفروغ من صعود الجبل ظفراً عظيماً كالوصول إلى الجنة، بينما جهنم هي الهاوية والعجلات على حافتها قد تهوي في أي لحظة.

هل سيظفرون بنعيم الوصول؟ هل لهم أن ينجحوا بالوصول إلى وجهتهم؟ هنا أيضاً، يبدو هذا النوع من الأسئلة لا معنى له، ولا طائل منها، بما يشمل النجاة والموت معاً، وهذا الأخير سيتبدّى بكامل تفاهته، لا بل إنه ومن شدة عبثيته ومخاتلته سيظهره لاشي عارياً تماماً، بلا أي معنى أو عبرة، فالموت هو شيء يحدث لنا نحن معشر البشر رفقة الكائنات الحية فقط، وإن قلت لا رادّ له، فهذه أيضاً عبارة لا معنى لها، أمام الكيفية التي يطالعنا في الفيلم.

فيلم “صراط” هو رابع أفلام  أوليفر لاشي، نال جائزة لجنة التحكيم في الدورة الأخيرة من “مهرجان كان”، ومرشح لجائزتي أوسكار: أفضل فيلم دولي وأفضل صوت. فيلمه الأول حمل عنوان “كملين كابتانس” (2010) صوّره في طنجة، وهو فيلم “ديكودراما”، ليتبعه بـ “ميموازا” عام 2016، وهو عن شيخ محتضر ورحلته في جبال الأطلس المغربية رفقة محتالين، ولعل فيلمه “ستأتي النيران” (2019) هو الوحيد الذي صوّره خارج المغرب في موطنه اسبانيا.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.