ملاذ اللاذقية الأخير
العدد 301 | 16 تشرين الثاني 2025
زياد عبدالله


جئتها انخطافاً، على عجل، تحت ظروف شخصية حزينة وطارئة حاولت أن أحوّلها إلى ظروف فيها شيء من الأمل، أمل أن تبقى أمي على قيد الحياة، أن أودعها، فإذا بها كعادتها تتولى ذلك الأمل وتعمل على إيقاظه، بيدها الواهنة وصوتها الذي أمسى متلعثماً.

حسناً، لن أخوض في الشخصي، وسأقول إن تلك الظروف لم تمنعني من أن أتنشقها تلك المدينة التي أعشق، تلك المدينة التي اسمها اللاذقية، وأخلص كما في كل مرة أزورها إلى الدرك الذي لم تصله بعد، وهي تصارع القبح، تتجرعه وما من أحد يأبه بها، موجات عاتية من التشويه، لها أن ترميها جميعاً في البحر، طالما أنه موجود، فهو ملاذها الأخير وخلاصها الدائم.

المدينة منقسمة بين أمل ويأس، بين أمان وخوف، وكما منذ 14 عاماً على الأقل ظلّت “المجزرة” وجهة نظر! جميع المتفائلين يخاطبونني كما لو أن مشكلتي الأساسية هي نمط العيش Life Style، ويريدون أن يثبتوا لي أن شيئاً لم يتغير على هذا الصعيد! أحياناً كنت أتساءل: وهل أنا سطحي لهذه الدرجة، هل أنا ساذج لدرجة اعتبار أن هذا كل ما خلصوا إليه من أفكاري وكتاباتي! وهل إن احتسيت العرق بالقرب من “رأس شمرا” فهذا يعني أن الأمور على أحسن ما يرام (على كل احتسيت ما يقرب “نصية” من عرق “ميماس” وكان عرقاً رديئاً تقويت عليه بمازاوات أهل المنطقة العريقين بها، أنا المناصر الأبدي لعرق “الريان” الغائب عن سورية طالما أن المعمل في السويداء)، وأمام إحساسي بالتفاهة التي أمثلها بشكل أو آخر طالما أني كائن مشغول فقط بإمكانية شرب العرق من عدمه أو حرية المرأة في اللاذقية أن تظهر كما تشاء (أجمل نساء المتوسط هن نساء مدينتي) تحلّيت بالصمت أمام النبرة العالية التي انتهجها البعض، وسماعي للأفكار الحرة بحق، والتي، بلا أدنى شك، لم تمر على لفافة واحدة من تلافيف الدماغ.

لم أنجر نحو مخالفة الرأي ولا المناطحة بالأفكار ونحو ذلك مما هو هراء بهراء ومضيعة للوقت (عدا مرة واحدة، لم تتعداها إلى أخرى، لمت فيها نفسي)، وبت أسمع رأياً من هذا وبعدئذٍ رأياً مناقضاً له تماماً من ذاك، موافقاً على كليهما، متفهماً أولاً وأخيراً حجم الشرخ الهائل بين هذا وذاك، من دون أن يغيب عني إحساسي بأن هذا أسطع دليل على الكارثة!

 


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.