البارحة مطر. اليوم شمس.
المطر غزير كعادته في مدينتي. الشمس وهاجة كعادتها في مدينتي.
“هذا شباط ليس له رباط”، تقول أمي. نعم هو كذلك، تارة مشمس وأخرى غائم وماطر، تجتمع الفصول في يوم واحد منه، فيكون شتوياً وخريفياً وربيعياً وصيفياً.
لا أتجه نحو البحر القريب من بيت أمي، أدير له ظهري وأمضي، فإذا بي مجاوراً لمدرستي “محمد شكري حكيم”؛ أصبح اسمها الآن “مدرسة عثمان بن عفان”. أدخل الحديقة الصغيرة المقابلة لها! أحاول جاهداً أن أتذكر متى كانت آخر مرة قصدتها! تستيقظ الذكريات وتغمر تحديدي لتاريخ تلك المرة الأخيرة، وحين يطالعني خزّان الكهرباء الكبير تهيمن ذكرى صديقي يوسف الأليمة، تصحو من مكان قصي في أعماقي، يوسف الذي من شدة وفائه للعب، للعبة “الطمّامة” كما تسمى “الغميضة” في اللاذقية، اختبأ في الخزان، فمات مضاء متوهجاً. حينها فقط تذكّرت بأنني لم أزر تلك الحديقة منذ وفاة يوسف، “وأنا صرت أكبر ويوسف بعده صغير…”
وصلت “شارع بورسعيد”، لم يعد لبيتنا وبنايتنا البنّيّة العجيبة من وجود، حلّت محلها بناية جديدة، ولأجد نفسي أتبع ما رواه لي صديق بالأمس عن أنه حين تتغول انقسامات مدينتنا، يقصد الشارع والزاروب ويسعى إلى تحديد الأمكنة التي شهدت أحداث روايتي “ديناميت”. طبعاً لم يعد لـ “علية” أحمد البطم من وجود، ولا “حارة الأواهر”، بينما استطعت بسهولة تحديد بيت سلمى الذي جعلتُه بيتها في الرواية، وغيرها من تفاصيل. لم يستوقفني الأمر كثيراً، وواصلت باتجاه مدرستي الابتدائية “الحرية” وقد أصبح اسمها الآن “مدرسة حليمة السعدية”، وواصلت إلى مدرسة “العفاف”، فتذكّرت تلك الفتاة التي أحببتها وكنت أنتظرها أمامها، فخطر لي أن أتبين ما صار إليه اسم المدرسة فإذا به ما زال “العفاف”.
أنا الآن جالس في مقهى، أستجمع وابل الذكريات، بينما الحاضر غائب تماماً، الحاضر محاصر تماماً بالماضي وربما المستقبل، والمدينة التي في خاطري على ما هي عليه منذ أكثر من 35 سنة، كما لو أني التقطها في لحظة فريدة، فألحقتْ بالزمن هزيمة نكراء، فأصبحت لا تتغير أبداً، لا تنهض ولا تنحدر، لا تتشوه ولا تتجمّل، طبق الأصل عن صورة واحدة في لحظة واحدة، متواصلة ومترامية ترافقني أينما حللت، وأنا أكبر ويوسف بعده صغير.

