"ويند ريفر" .. جريمة على ثلج لا يذوب | زياد عبدالله

العدد 221 | 29 تشرين1 2017

ليس للثلج أن يكون شاهداً على شيء، فهو سرعان ما يستسلم للذوبان، إلا أننا في فيلم "ويند ريفر" Wind River  (جائزة أفضل إخراج في مسابقة "نظرة ما" في كان 2017) سنكون حيال ثلج راسخ في المكان، في المرتفعات على الأقل، لا بل ثمة أسد وقد كنا نسينا منذ زمن رؤيته بعيداً عن المحميات الأفريقية، إذ إن المحميات في هذا الفيلم هي للهنود الحمر، وللدقة من تبقى منهم، وهم في ربوع الكاوبواي الأميركي.

الفيلم وإن كان ثلجياً عاصفاً من بدايته، فإنه مسكون بالترقب، لكن بهدوء يسبق العاصفة بكل ما تعنيه الكلمة، فالعاصفة المناخية تعدنا بعاصفة درامية لا تبق ولا تذر، والتي سيصوغها مخرج وكاتب الفيلم تايلر شيردان بحنكة لن تكون غريبة عنه على الصعيد الكتابي كونه كاتب سيناريو فيلم "سيكاريو" (2015) و"جحيم أو أمواج عالية" (2016)، ولينجح إخراجياً هذه المرة في ثاني تجاربه الإخراجية بعد أن قدّم عام 2011  Vile، وليكون نجاحه لافتاً جداً، بما يستدعي القول بأنه يضعنا حيال سرد لا يكتفي بقوة قصته بل يتخطى ذلك إلى تطعيمها بانعطافة درامية في زمن السرد تتخطى المفاجأة إلى القفز الزمني وتفعيل "التويست" على صعيد قلب الزمن قبل حصول المقتلة الكبرى التي ينتهي بها الفيلم.

تدفع الثلوج المكدسة وتلك المنهمرة إلى التفكير بـ "فارغو" الأخوين كوين، كما لو أن هكذا أجواء ارتبطت بالجرائم الغرائبية، لكن ذلك سرعان ما يتغير ونحن نشاهد أحداث "نهر الريح"، فكوري (جريمي رانر) صياد ومتعقب أثر، يريد أن يقع على أسد يفتك بماشية الهنود الحمر، وهو كاوبواي بامتياز إلا أن زوجته السابقة هندية، وله ابن منها ما زال حياً، وابنة فارقت الحياة في ظروف غامضة، وليعثر وهو يتعقب آثار الأسد على جثة فتاة يبدو أنها صعدت الجبل حافية هاربة بشكل مروّع، وللتحقيق بهذه الجريمة تأتي العميلة الفيدرالية جين (اليزابيث أولسون) وحيدة، حيث لا يتعدى عناصر الشرطة في المحمية السبعة عناصر.

سيتأسس كل ما في الفيلم رويداً ريداً، ستكتمل خلفية كوري جنباً إلى جنب مع البيئة التي تجري فيها أحداث الفيلم، وليست الفتاة المقتولة إلا صديقة ابنته التي قتلت في ظروف غامضة، وهي ابنة صديقه الهندي، ومع اكتشاف جثة شاب في الجبال المغمورة بالثلوج، ستتعقد خيوط الجريمة وتتفكك في ذات الوقت ليتجه التحقيق نحو وجهته الصحيحة وما ينتظر جين ومن معها سيكون على قدر ما أدى بالفتاة إلى الركض في الثلوج لتموت وقد تمزقت رئتيها جراء البرد القاتل.

إنه فيلم لا يكتفي بأن يمضي أفقياً في سرده، ولكي يحكي لنا ما حدث بخصوص الفتاة والشاب فإنه يلجأ إلى حل سردي يجعل من قرع العميلة الفيدرالية جين لباب المشتبه به إيذانا بفلاش باك طويل لا يربطه بحاضر فيلم سوى صوت القرع والذي ينتهي به، وجين تقرعه مجدداً بعد أن اتضح كل ما حصل، وليفتح عليها باب الجحيم.

يستجمع الفيلم وهو يصل نهايته التراجيدية المفاجئة، كل عناصر قصته، وحين تكتمل جميعاً يكثّف قصته الرئيسة، بعد معاينة أوضاع سكّان أميركا الأصليين على اعتبار "ويند ريفير" واحدة من محميات الهنود الحمر السبعة في الولايات المتحدة، ونفكّر بالهندي الأحمر وصديقه الكاوبواي، وبمشاعر الأب حين يكبّله العجز، بفجيعته حين يفقد بنتاً أو ابناً، وكوري متحلٍ بكل الشجاعة والإقدام والرجولة. نعم! يستجمع كل عناصر قصته كما لو أن لغز جثة الفتاة والشاب مبرر ذلك، ثم يتفرغ لهذا اللغز ويحلّه بأعتى ما يمكن أن يتيحه سرد سينمائي حصيف.

*****

خاص بأوكسجين

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)، "ديناميت" (رواية، دار المدى 2012)، "بر دبي" (رواية، دا...

مقالات أخرى للكاتب