كل شيء على ما يرام! | زياد عبدالله

العدد 252 | 7 آذار 2020

كل شيء على ما يرام أيها الأصدقاء، لقد انتهيت للتو من تدخين إحدى وعشرين سيجارة ما يعني فروغي من علبة ودخولي في ملكوت علبة جديدة، والأمر لا علاقة له بمسببات خارجية، بل على اتصال بلذة التدخين فقط لا غير، وإن إصراري على قول ذلك آتٍ من حرصي على منع أي اشتباه بمعاناة أو ما شابه من أزمة عاطفية أو نفسية أو حتى تاريخية، فأنا ما زلت أحتفظ برفاهية المراقب، وأحتكم على مقدّرات هائلة من الرثاء والضحك، أمام الوحشية والوحشية المضادة، وتفاهة الوطن الذي ما كان وطناً يوماً، وتمتع كثر بموهبة الكذب، ومحاولة التغيير التي أفضت إلى نكوص عجائبي إلى الوراء، بوصف الانخطاف إلى الخلف فعلاً تقدمياً، ناهيك عن  الأحلام المنكّسة وقد كانت ترفرف على سارية تكاد تلامس السماء، ونحو ذلك مما لا حاجة لكم بمعرفته أصلاً، وكلٌّ في مأساته أو منجاته، والخلاص فردي بامتياز في هذه الأيام أو السنوات التي مرّت مرّ السحاب والعبث والهباء!

أودُّ لو أعود إلى القاهرة وأجالس عزت القمحاوي فيعاودني من جديد إحساسي بأنني وأننا بخير بوجوده العذب الوضّاء، حتى وإن قلت له شيئاً مثل إن جدار الخوف الذي قيل إنه سقط ازداد رسوخاً وسماكة، وأشياء كثيرة لا حصر لها خرجت عليّ من كتبه، أو أن أقول له "السماء على نحو وشيك" ولا أعرف إن كان استخدامي عنوان كتابه الروائي/القصصي سيقودني إلى أن أكون شاهداً على سقوط السماء أو تزايد سماكتها كما هو الخوف.. لا بأس فمع القمحاوي يمكن أن أستظل أيكة كما في كتابه "الأيك في المباهج والأحزان"، والتمييز بين"ذهب وزجاج"، وبين غيفارا وأحمد رسلان رغم اجتماعهما على الكباب والمصائر الفجائعية، وهما ربما على اتصال بمعاناة عواطف مع زوجها النُّص في "حدث في بلاد التراب والطين"، وهما (رسلان وغيفارا) لا يأكلان البرتقال بلا ريب ففي الجنة "برتقال كثير ورمان ورطب". كما أنني على يقين بأن محاولتي الاقتباس والتنقل بين كتبه أشبه بمزرعة مشمش لا يرتجى منها إلا الحصول على النوى لأجل المقامرة بها كما في قصته "مزرعة المشمش".

كل شيء على ما يرام أيها الأصدقاء! فمع ما تقدّم، عاودت أيضاً  قراءة "دون كيخوته" وقد مضى على قراءتي لها 21 سنة بترجمة عبد الرحمن بدوي وقد أهدتني إياها سوسن من صارت زوجتي، وقد صدّرَتها بإهداء يقول "وهكذا جاء دون كيخوته سخرية من البطولة الزائفة والعدالة المموهة والحقارة الاجتماعية والنفاق الذي ساد في ذلك "هذا" العصر فرفع أقدار العاجزين .. وأعطى المراتب الرفيعة للدساسين والغشاشين والمتملقين والزاحفين والوضعاء!!؟ وأما نحن في وقت مشابه فمن نكون وكيف هي دروبنا؟" طبعاً نقلت هنا الإهداء حرفياً وحتى بعلامات الاقتباس والترقيم، وبدت "دون كيخوته" يقيناً – وأنا أقرأها تارة بترجمة رفعت عطفة وأخرى بترجمة سليمان العطار هذا يسمي خوذة ممبريتو "طاسة وذاك "طشت" – بأنني أقرأ كتاباً آخر، ربما لأنني تقدمت بالعمر يا سوسن، وهذا جيد على صعيد القراءة لا على صعيد الروح التي ما زالت متوثبة ويكاد يقتلها حزناً ما يقوله الفارس حزين الطلعة دون كيخوته لسانتشو في الفصل التاسع والأربعين: "أنا على معرفة ويقين بأنني مسحور ويكفيني هذا لراحة ضميري، لأنه لن يكون مرتاحاً لو أنني فكّرت أنني غير مسحور وتركت نفسي كسولاً وجباناً وسجيناً في هذا القفص، أخيّب أمل المحتاجين والمعوزين لمساعدتي وحمايتي وهم لا شكّ بأمسّ الحاجة إليهما في هذه الساعة"... كل شيء على ما يرام أيها الأصدقاء! وإن مضت سنوات ما عدت أتبين فيها أي الدروب تسلكون!

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب