"قماشتي المفضلة".. ثورة الحواس بين المشتهى والواقع | زياد عبدالله

العدد 254 | 12 نيسان 2020

 

لا تريد نهلة أن تغلق شبّاك "الميكرو باص"، لا بل هي لا تسمع أصلاً مطالبات الركاب أن تفعل، جراء برودة الجو في الخارج، فهي أولاً وأخيراً خارج هذا الواقع، لا برد ولا حر، لا بل إنها ستكون حريصة على امتداد الفيلم ألا تكون في وارد هذا الواقع، فهي ترمق شاباً وحيداً في غرفته يقرأ كتاباً، سرعان ما يطفئ الأضواء ويسدل الستائر، وحين تتزايد المطالبات من الركاب بإيصاد شبّاكها، تسأل السائق أن يتوقف وينزلها، وليمنعها من هو جالس بجانيها من ذلك، إذ إنها لن تجد أي مواصلات حيث ستنزل، ولن يقبل بأن تنزل فتاة في مكان مهجور كهذا.

هذا المشهد الافتتاحي أو البرولوغ أساسي في فهم شخصية نهلة (منال عيسى) في أول فيلم روائي طويل  للمخرجة السورية غايا جيجي (شارك في مسابقة "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي 2018)، ونهلة فتاة مسكونة بعوالمها، ومستعدة حين اصطدامها بواقع فظ أن تقبل أي مخاطرة أو مغامرة كأن تنزل من "الميكرو باص" في مكان ناء غير مبالية بذلك، وليؤسس ذلك لما سيتسيد فيلم غايا الذي يتمازج فيه الواقعي مع المتخيل، بما يجعل الفيلم مجازاً نسوياً سورياً متوقداً، يقودنا نحو مشاعر نهلة وأعماقها التي تؤسس لعالم متخيل إلا أنه واقعي، أو واقع يجد في المتخيل فضاء حيوياً للإضاءة على المتواري والموازي والدفين.

إننا حيال نهلة وتمردها على العائلة والمحيط، لكن من دون صدامات وصرخات وزعيق، وصولاً إلى وقائع ما تأسست عليه المأساة السورية في بداياتها. إنها الرغبات، وما يلبيها يأتي من مساحة ملتبسة بين الواقع والخيال، فعاشق نهلة التي تعمل بائعة بسيطة في محل ألبسة في دمشق، متخيل أو أنه آت من الماضي، لا نعرف، ولا يهمنا أن نعرف! فهي تحبه وتجد فيه خلاصاً ما، من خلال استعادة لحظات حسيّة جميلة عاشتها أو تخيلتها معه، كما أنها لن تجد في العريس المنتظر القادم من أميركا خلاصاً، هو الذي سيقول عن سورية "بلد بخري" إلا أنه يعود إلى هذا البلد ليفتش عن امرأة ليتزوجها، والتي يفترض أن تكون نهلة لكنه سرعان ما يغير ذلك ويقع خياره أو عائلته على أختها.

المفصلي في أحداث الفيلم هو انتقال المدام جيجي إلى بناية نهلة، والتي سنكتشف بأنها تدير بيت دعارة، ولتجد نهلة خلاصها مع المدام، ولنجد كمشاهدين مستويات أخرى من المجاز الذي احتكم عليه الفيلم، فنهلة ستستأجر غرفة من غرف المدام متعللة بأن حصولها عليها سيتيح لها لقاء حبيبها، الأمر الذي تقبل به المدام جيجي عن طيب خاطر، وحين تكتشف أن أحداً لا يأتي تلك الغرفة تقول "وهل استأجرتيها لتصلي فيها".

 لن يأتي حبيب نهلة أبداً، ولتتنقل نهلة إلى مستوى آخر من الرغبات بالتلصص على ما يجري في الغرف الموصدة، أي مع العاهرات الجميلات في البيت، وسالم أو الضابط سالم هو الزبون المفضل الذي يسأل من معه أن تحكي له حكاية يعرفها، نعم هو يعرفها لكنه يود سماعها كما يعرفها، ذلك أنه يحول الجنس إلى تحقيق، فالمرأة أمامه معصوبة العينين، ومقيدة اليدين، وفي ذلك لذته، وسرعان ما تمسي نهلة في حضرته، وتغيّر في القصة التي يريد سماعها كما هي (قصة يوسف) ما يدفعه للغضب والجنون.

تتبدّى الرغبات في فيلم "قماشتي المفضلة" Mon tissu préféré، مرتكزاً رئيساً في نبش الأعماق، بما يجعل الجسد معبراً لشتى صنوف القمع في سورية، بما يشمل السياسي بالتأكيد، بحيث لا تكون رغبات نهلة وأحلامها ونزواتها شأناً ذاتياً يمضي بموازاة ما حصل في سورية، بل في خضمه، سواء مع سالم وبسطاره العسكري، وحرصه أن تكون الرواية واحدة فقط للحكاية، أو مع كل ما يحيط بنهلة، وأختها تقول "الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله هو الخوف." وسردية الفيلم مكونة من طبقات لن تظهر على السطح من معاينة أولى، كما هو العريس الذي سنكتشف أنه يهيم حباً بنهلة إلا أنه سيتزوج أختها، ومشاهد القمع الختامية والخطاب المناقض لها تماماً، بما يشمل بنية الفيلم الأساسية المتأرجحة بين الحلم والواقع، بين المشتهى والمتحقق، لكن بما يقول لنا إن الحلم واقع أيضاً، والمشتهى متحقق، وبهذا السياق يأتي كسر نهلة للتابو تلو الآخر، من دون صخب أو ادعاء، فهو آت من عمق أعماقها، وبسؤالنا عن كيفية إنجاز ذلك فإن براعة غايا جيجي ستتبدّى جليةً في صوغ عوالم فيلمها ونسج قماشته من حواس وأحاسيس ومجازات.  

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب