عصفور الحرية | زياد عبدالله

العدد 164 | 31 كانون1 2014

كانت الحمى مدعاة للتدخين أكثر، وكل سحبة من سيجارة إصابة محققة في دريئة الرئة المتهالكة، وقد كان يظهر على التلفزيون أمامي إعلان مطوّل عن عصّارة لم تترك نوع فاكهة إلا واستخلصت منه عصيراً زلالاً، وأرقام التوصيل محتشدات أسفل الشاشة بما يضمن إيصالها شتى ربوع الوطن العربي الكبير، بما دفعني إلى اتخاذ "وطني حبيبي الوطن الأكبر.." موسيقا تصويرية بدل الاستماع إلى مقدّمة الإعلان وهي تقول عن التفاح أنه تفاح، والكيوي أنه كيوي..قبل عصرها بقليل.

بدا أنهم قادرون على توصيل العصّارة في سورية من خلال الرقم المرفق مع العلم. ولعل إيرادي ذلك لم يكن بالأهمية التي اكتشفتها للتو وأنا أكتب ذلك، وفي المسافة التي تفصل الأفكار العائمة في الرأس وتثبيتها كتابياً تطوّر الأمر إلى أسئلة مؤرقة عن الموصّل الفدائي الذي سيتولى المهمة في المناطق الساخنة، وكيف للعصّارة أن تنجو من القصف المركّز وغير المركّز، العشوائي والمنظّم، الضعيف والقوي والمتفق عليه، وكيف للعصّارة أن تعبر الحواجز والقناصة، وتعمل من دون كهرباء...

هذا يكفي! وقد بدا لي كما كان سيبدو لكم أن تثبيت كل ما طرأ على رأسي سيكون استطراداً لا طائل منه، وهكذا تخلصت منه بأن تفرغت تماماً لنوبات السعال العارمة التي راحت تضرب قفصي الصدري، وهي تحاول أن تطلق عصفور البلغم الشجي.

وبما أن الكتابة تناسلية، أي أن العبارة تتناسل من أخرى، ولا حاجة لها لعضو متفرغ لهذه المهمة، فإن حديثي عن عصفور محبوس في قفصي الصدري، جعل من السعال سعياً نبيلاً لتحقيق حلم العصفور بالحرية، وتخليصه مرةً وللأبد من الصدر الذي تنتفي عنه صفة الحنان طالما أنه متأسس على قفص، وعليه توقفت عن تناول شراب السعال والمسكنات والأدوية الخافضة للحرارة، ورحت أتلذذ بالحمى وأدخن أكثر وأطرب أكثر لنوبات السعال الهادرة، وقفصي الصدري يتهتك ويتداعى بانتظار تحليق هذا العصفور اللعين.

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)، "ديناميت" (رواية، دار المدى 2012)، "بر دبي" (رواية، دا...

مقالات أخرى للكاتب