"شكل الماء" ..الماء مثل الضوء | زياد عبدالله

العدد 228 | 10 آذار 2018

الأمر متعلق بالمخيلة، طالما أن عليّ تناول فيلم غيليرمو دل تورو "شكل الماء" The Shape of Water هنا، شيء مثل العودة من السينما بعد مشاهدته، والمباشرة بغمر البيت بالمياه والغرق بالحب، ولتتسرب المياه إلى المصاعد والسلالم موقظة من هو نائم في الأدوار السفلية. ما من دار عرض سينمائية أسفل البناية التي أسكن في شقة من شققها (كما في الفيلم)، إلا أنها قريبة من البحر، وبالتالي فإن احتمالات وقوع فيضان ضعيفة إلى حد ما، والأرجح أن يكون الفيضان على صعيد المشاعر والحواس، والانغماس بالحب، وممارسته تحت الماء، وليطفو كل شيء بعد ذلك.

أليسا بكماء (سالي هاوكينز)، سنسمع صوتها حين يأخذها الحب فتغني فقط، وعدا ذلك فلا داعي للكلام، هي التي تعمل عاملة تنظيف في مركز بحوث من تلك السرية، لا بل إن ذلك يحدث والحرب الباردة على أشدها فهناك أيضا جواسيس روس وما إلى هنالك من عتاد الستينيات وعوالمها التشويقية. تعيش أليسا روتيناً حتى على صعيد ممارستها العادة السرية بعد استيقاظها وأثناء استحمامها، ولا صداقات لديها سوى جارها الرسام المثلي الذي يعاني من أفول دوره في الإعلانات أمام سطوة الفوتوغراف في ستينيات القرن الماضي، وزميلتها في العمل زيلدا (أوكتافيا سبنسر) الطيبة الثرثارة  صاحبة النكتة. أما "الوحش" أو "الإله" أو "الكائن البرمائي" أو "وليد المختبرات والتجارب" أو  جميعهم معاً، سيتعلم لغة الصم، حين تقع أليسا في حبه،  سيأكل بيضة من يدها، سيضيء ويتوهج جراء الحب، وتظهر تلك النقاط البنفسجية المضيئة، هو المتحرشف الملوّن المعبود في الميسيسبي، والحب لا يروضه، بل يبدو جاهزاً لتلقيه، وآلته الجنسية متوارية تقول أليسا إنها ظهرت موضحة لذيلدا بحركة من يدها.

فيلم دل تورو دفعني للإحساس بأن الماء مثل الضوء، عاكساً قصة ماركيز "الضوء مثل الماء" (بعيداً عن مسرحية بول زيندل "دعني اسمع ما تهمس به" والضجة التي أثيرت حول نسب سيناريو الفيلم إلى تلك المسرحية والتي لا أملك أن افتي بها طالما أنني لم أقرأها) خاصة حيث تمارس أليسا الآدامية البرية الحب مع الكائن البرمائي العجيب وتسدّ كل فتحات الحمام، كما ليبدو هذا الفعل بسحر ما قام به الطفلان في قصة ماركيز "أغلقا الأبواب والنوافذ، وكسرا أحد مصابيح الصالة المضاءة. فبدأ يتدفق تيار من الضوء الذهبي والبارد من المصباح المكسور، وتركاه يسيل الى أن بلغ ارتفاعه أربعة أشبار. عندئذ أقفلا التيار، وأخرجا الزورق وأبحرا بمتعة بين جزر البيت."

الآن علي الابتعاد عن الانطباعات بعض الشيء، والقول مثلا إن فوز دل تورو بأوسكار أفضل فيلم وإخراج (وصولاً إلى الموسيقا وتصميم الانتاج)، يؤدي إلى استكمال فوز الثالوث المكسيكي بأوسكار أفضل مخرج على الأقل، إذا فاز بها ايناريتو عام 2015 عن "العائد" والفونسو كوران عام 2014 عن فيلمه "جاذبية"، ثم إن ابتدائي بالقول إن الأمر متعلق بالمخيلة على اتصل بدل تورو نفسه الذي دأب على تعقبها منذ أفلامه الأولى، ولعل أسس الإثارة في أفلامه قائمة على الفانتازيا والخرافة،  كما في "متاهة بان" (2006)، وهو لا يفرط بهما بل يجعل لهما الغلبة في سرده البصري على الأقل ويمزجهما لا بل يعجنهما بالرعب والإثارة والتشويق كما في "عمود الشيطان الفقري" (2001) وبدرجات أكبر مع "القمة القرمزية" 2015، وليوسع في "شكل المياه" مساحة اللعب، والاتكاء على عنصر قصصي أصيل له أن يكون مغيباً عن أفلامه سابقة الذكر، ألا وهو المفارقة، والشخصيات التي لا يطاله تجهم أو تخلو من طرافة، الأمر الذي لا تستثنى منه شخصية ريتشارد (مايكل شانون) الذي يفترض أنه منبع الشرور، وصولاً إلى ادخال الموسيقا والغناء واستثمارهما في سياق سرده، وإن كان الحديث عن الألوان والإضاءة والتصوير فهي عناصر أساسية في صوغ الفيلم على هذا النحو من الإحكام.

 

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب