العدد 168 | 9 آذار 2015

جننه أنها إيطالية، تصرخ "بليسيمو" كلما مضت المغنية أكثر في غنائها وقد كنا عاجزين عن فهم كلمة واحدة مما تغنيه، ونحن نردد كل الأغاني كاملة معها، وصديقنا الآخر غارق في عشق المغنية لدرجة أمست فيها تغني له وحده.

الإيطالية قالت لنا بإنكليزية ركيكة إنها خائفة من صديقنا الذي يقفز كلما قالت "بليسيمو" ويركع على ركبيته أمامها، ورحنا نطمئنها من أن السرطان غير معدٍ، ومع ذلك لم ترقص معه، بل مضت ترقص مع امرأة كانت جديدة ومجهولة كما الألعاب، ورحنا نضحك على نكتة  السرطان ولم يكن في الصديق منه إلا رأسه الحليقة بالموسى كما لو أنه تلقى علاجاً كيميائياً، وربما كان من برج السرطان.

ثم أشعلوا نجوم الليل على قناني الشمبانيا ليضيئوا رجلاً كان يحتفل بعيد ميلاده وحيداً، وكم كان وحيداً وهو محاصر بالقناني المضاءة وغناء النادلات من حوله "هابي بيرذداي"، ونحن بدورنا قمنا بنجدته وانتشلناه من وحدته وشربنا بصحته قناني الشمبانيا، التي كان سيهرقها في بالوعة حمام غرفته، كما قال لنا.

توقفت المغنية عن الغناء وانفرط عقد الفرقة الموسيقية،وهبّ صديقنا يلاحق المغنية وقد احمّر خداه كما شعرها الأحمر، بينما تأكدت الإيطالية أن إصابتها بالسرطان غير واردة وقد أكد لها صديقنا بأنه سيستخدم الواقي الذكري ليمنع أي تسرب كيميائي إليها.

وهكذا بقينا نحن الثلاثة وحيدين في حانة نائية، بعد أن احتلت الخشبة راقصات تافهات لم أر منهن إلا سررهن، ورحت أفكر بحبل السرة، وأمده طويلاً، أتمسك به بقوة من دون أمل بالعودة إلى حيث أتوق أن  أعود، إلى حيث قطع عني ذلك الحبل وتلقفتني أرض لم يترك السرطان شبراً منها إلا ونهشه. 

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)، "ديناميت" (رواية، دار المدى 2012)، "بر دبي" (رواية، دا...

مقالات أخرى للكاتب