"دنكرك" ..منام الهروب العظيم | زياد عبدالله

العدد 217 | 11 آب 2017

في المنام رأيت أرتالاً مترامية لجنود على شاطئ رملي لا وجود لشجرة أو شيء يستظلونه أو يقفون تحته ليوهمهم بأن هناك ما يفصل بينهم وبين الحمم التي تمطرهم بها طائرات العدو، كل شيء عارٍ وما من كساء إلا الموت. البحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لا بل العدو في السماء والغمام وليس أمامهم إلا الهرب، والذي سيكون متعذراً، يحتاج معجزات وليس معجزة واحدة.

في فيلم كريستوفر نولان "دنكرك" رأيت ذات المنام – أليس الفيلم مناماً في أحد تجلياته؟ - إلا أنه كان يطفو على شاشة هائلة، وبدأ مع جندي بعينه ربما اسمه طوني ولست متأكداً ما إذا كان الممثل فيون وايتهيد من يجسد شخصيته، ليس مهمّاً فقد كان رفقة حفنة من الجنود يتجولون في قرية فرنسية يسمونها "دنكرك" ربما كانوا يبحثون عما يأكلونه أو يدخنونه، ثم فجأة يلعلع الرصاص، ويقتل كل من كانوا معه، إلا أنه ينجو، وبعد أن يجتاز استحكامات الجنود الفرنسيين ينفتح أمامه البحر وتلك الأرتال آنفة الذكر، وليقع على جندي يدفن جندياً وقد انتعل حذاءه، وليتفقا على النجاة، الأمر الوحيد الذي يستحق التعاون والتعاضد وفعل كل شيء تستدعيه هذه الغاية النبيلة.

الفيلم – الكابوس منقسم إلى ثلاثة خطوط أرضاً وبحراً وجواً، على الأرض أو المرسى الذي يتجمع فيه الجنود الإنكليز بانتظار من يقلهم إلى الطرف الآخر من المانش (بريطانيا)  والزمن الافتراضي لعملية الإخلاء هذه أسبوع، بينما جواً حيث سرب طائرات في طريقها لكي تؤمن الأجواء فوق المشاة والبارجات والسفن الحربية لا يتجاوز الساعة، بينما بحراً  فلهذا الزمن الافتراضي أن تكون مدته "يوم"، حيث يمضي رجل مع ابنه ورفيق له بقاربه الخاص ملبياً نداء الحكومة للشعب بالتوجه إلى دنكرك ليقوموا بإجلاء الجنود. هذه الأزمنة ستمضي، وكل في سياقه إلا أنها ستلتقي كما في المنام أيضاً، كما للزمن أن يضغط في الفيلم والمنام، كما هي القفزات الزمانية والمكانية فيهما.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن "النجاة" وليس أي شيء آخر مرتبط بالحرب سواء كان بطولة أو شجاعة أو فداء ما يقدّمه فيلم "دنكرك"، والقيم التي تظهر فيه تصب جميعاً في خدمة هذه النجاة، وليظهر في هذا السياق نبل الإنسان، جبنه، مكره.. وغير ذلك مما هو إنساني في النهاية، رغم كون واقعة "دنكرك" مفصلية في وقائع الحرب العالمية الثانية، ونحن نتكلم عن عملية إجلاء أكثر من 338 ألف جندي جزء كبير منها تم بواسطة قوارب الصيد ويخوت أناس عاديين لبوا نداء حكومتهم، نظراً لصعوبة رسوّ السفن الحربية على شاطئ دنكرك وغير ذلك من أسباب لوجستية، ويمكنني القول أن تاريخية هذه الواقعة مأخوذة مما تولده "النجاة" من قيم وقبل ذلك "التشويق" عبر تحفيز الترقب، إضافة إلى "التمبو" الذي لا يتخلى عن تدافعه وتواتره إلا حين تكون المشهدية قيامية واللقطات بانورامية.

لا أميل في مقاربتي "دنكرك" إلى لعب دور المتلصص كما لـ "نظرية الفيلم" أن تستعين بالتحليل النفسي واتصاله بفعل المشاهدة، هنا أنا مع من قاربوا فعل المشاهدة كما لو في حلم/كابوس، وهذا أيضاً على اتصال بأفلام نولان بدءاً من "مومنتو" 1998 مروراً بـ "انسبشن" 2010 وصولاً إلى "انترستلر" و"دنكرك"، ولعل استعادتها سريعاً ستظهر لكم كم هي متأسسة على منطق الحلم، ففي "دنكرك" الشخصيات لا عمق لها إلا بما تفعله في "حاضر" الفيلم، ولعلها عناصر مثلها مثل الإضاءة والمؤثرات، والموسيقا تصويرية (لعبت دوراً درامياً كبيراً)، إنه فيلم نولان أولاً وأخيراً ومع طاقمه التقني، مدير التصوير هويتي فان هويتيما وتصوير الفيلم بكاميرا "اي ماكس 65 مم"، مونتاج الفيلم والسياقات الزمنية والإيقاع الذي لا يهدأ من اللقطة الأولى وهو يهيمن على مجاميع بشرية أرضاً وبحراً وجواً.  

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)، "ديناميت" (رواية، دار المدى 2012)، "بر دبي" (رواية، دا...

مقالات أخرى للكاتب