"خيط السراب" ..بالسم يحيا الحب | زياد عبدالله

العدد 227 | 19 شباط 2018

لا يستدعي الحب هطول زخات من الضفادع، وإن تعقّد فهذا من شؤون القلب وشجونه، فالحب يسري في البدن كالسم، ويحفر وئيداً بما يقوض ويضيء في آن معاً.

ما من غموض وألغاز في ما تقدّم، إن كنت شاهدت جديد بول توماس أندرسون "خيط السراب" Phantom Thread، في تتبع للذة أن تسمم امرأة حياة رجل، وأن تنجح في دفعه ليجد في السم خلاصه، وما حديثي عن زخات من الضفادع إلا استعادة لفيلم أندرسون "ماغنوليا" 1999، حيث القصص منفصلة ومتصلة وعلى درجة كبيرة من التوتير والتحفيز بما يفضي لهكذا نوع من المطر، طبعاً لا شيء من هذا في "خيط السراب"، وهنا التمركز على شخصية مصمم الأزياء رينولدز وودكوك (دانيال داي لويس في آخر دور له بعد قراره اعتزال التمثيل)، ولتدخل آلما (فيكي كرايبس) حياته.

يخوض أندرسون في كل فيلم من أفلامه غمار عالم جديد، ينبشه ويستخلص منه دراما قوية تأليفاً وإخراجاً، هو الذي يتقن بتمايز كيف تروى الحكاية، مأخوذاً على الدوام بنحت شخصياته، لا بل إن هذه القدرة تجعل من ايدي في "ليالي البوغيز" 1997  على سبيل المثال شخصية عجيبة لا تنسى، وكل ما يحتكم عليه هو قضيب كبير، فهو في هذا الفيلم يدخل عالم الأفلام البورنوغرافية في السبعينيات والثمانينيات، بينما تكون شخصية دانيال بلينفيو (داي لويس) في "سيكون هناك دماء" 2007 دامغة، ومؤرقة، وبلينفيو ينقب عن النفظ، يستخرجه من جوف الأرض، هو المؤسس لمجتمع حوله، القاسي والكادح، الملتصق بالأرض ولا يؤمن إلا بصنيع يديه ومعجزة الإنسان، بلا آلهة ولا سماء.

في "خيط السراب" العنوان نفسه يقول الكثير، وعدا عن كونه لا يشبه عناوين أفلام أندرسون فهو يجمع بين عنصري الفيلم الرئيسيين: الفن والحب، ومعادل الفن: الخيط/الخياطة، بينما الحب هو السراب، الذي يسعى الفيلم للإمساك به وهو يتملص، وليكون هذا المسعى هو حكاية الفيلم، فالحياة بالنسبة لرينولدز استقرت على شكل، وتمركزت حول مهنته في تصميم الأزياء والخياطة، ولا مكان لما يتعارض مع ذلك، وما الحب إلا علاقة عابرة لدى رينولدز، وعارضات أزياء، وليس في وارد أن يدع لأحد أن يخل بروتينه المنصب على إبداعه، إلا أن لقاءه بآلما في قرية نائية يلجأ إليها طلباً للإلهام وهو يرى أمه المتوفاة في المنام، لن يقلب حياته رأساً على عقب بداية، بل سيفتح ثغرة في عالمه المكتمل، تتسرب منه آلما على مهل، وبصبر وأناة العاشقة.

كل شيء في خيط السراب" يتبع ما تقدّم، وهذا منطقي في فيلم عناصره متناغمة، الإيقاع (التمبو) بطيء، والموسيقى تلعب دوراً رئيساً في الفيلم (من المبهج أن ترشح موسيقى الفيلم التي ألفها جوني غرينوود إلى الأوسكار من بين الأوسكارات الست المرشحة إليها)، والألوان، وبالتأكيد الأقمشة والأزياء، وكل ذلك له أن يأخذ الفيلم إلى رومانسية ما أو ميلودرامية، إلا أن أندرسون لا يقع في هذا المطب (وهذا طبييعي) بل يمضي خلف الحب بكل جمالياته، لكن بوصفه حياة أيضاً، بل روتيناً، يستدعي تدبيراً أو تحايلاً حتى يستمر، والحب في ملمح من ملامحه: امرأة تصب الشاي على نحو مزعج على مائدة الفطور، وتريد أن تذهب إلى أمكنة صاخبة، وقلب ما درج عليه رجل تقدّم بالعمر، ولا شيء من هذا متعلق بالمرأة في هذا الفيلم، إن كانت المقاربة نسائية، إنه رينولدز الهارب من ألما، والأخيرة تلاحقه، إلى أن تصوغه، ويمسي حتى السم مطلباً ليتجدد الحب.

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب