"حرب باردة".. تراجيديا أن تحب في الأزمنة الصعبة | زياد عبدالله

العدد 237 | 5 تشرين2 2018

ثمة حرب باردة قامت بين قطبين على امتداد ما يقرب النصف قرن، وحروب كثيرة شخصية وعاطفية اندلعت على هامشها، يومياً وفي كل لحظة، لبشر حلموا وأحبوا وماتوا، ولم يكن لحرارة عواطفهم أن تؤثر ببرودة تلك الحرب أو سخونتها، بل العكس هو الصحيح وقد نالت منهم ودفعوا أثمانها على مستويات متعددة.

يقارب فيلم المخرج البولندي بافيل بافيلكوسكي "حرب باردة" Cold War (جائزة أفضل إخراج في كان 2018) هذه الحرب عبر الرواية الموازية لها، ومن باب الحب، وربما من باب الفن والأغاني الذي أفضى إلى هذا الحب العظيم، مقاربا حكاية ما جرى بين فيكتور (توماش كوت) وزولا (يونا كوليغ)، إبان الحرب سالفة الذكر، والتي تبدأ في بولندا في أواخر الأربعينيات مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وفيكتور في حينها يسعى إلى تجميع الفلكلور البولندي وتأسيس فرقة موسيقية غنائية راقصة تقدمه في شتى أرجاء بولندا والعالم.

سيتعرف فيكتور على زولا لكونها واحدة من المتقدمات إلى هذه الفرقة، سيقع في غرامها من النظرة الأولى، ستبقى عيونه مثبتة عليها، يلاحقها بناظريه وهي تغني وترقص، إلى أن يمسي الغرام لا رادّ له، وقد سبق ذلك جرعات كبيرة من الأغاني الرقيقة الريفية وهي تغنى هنا وهناك، والكثير من الرقص، وليكون الحب استكمالاً لثالوث الرقة الذي استند عليه بافيلكوسكي، بالتوزاي مع قسوة يؤسس لها بداية مع المناخ والوحل والأماكن النائية التي يقصدها فيكتور، والتي سرعان ما تتبدى معالمها مع التحول التاريخي الذي تشهده بولندا، ما ينعكس على فيكتور وفرقته بعد نجاحها الكبير في وارسو، بأن يطلب منه بأن تقدّم فرقته أغان تتغنى بالقائد والاصلاح الزراعي ومسيرة التغيير، وعليه يتغير نمط الأغاني، وتظهر صورة ستالين في خلفية المسرح.

لن تكون نقطة الانعطاف الدرامية في الفيلم متأتية من تغيير طبيعة الأغاني والفن الذي أحياه فيكتور، لكن من مصارحة زولا له بأنها تزود مدير الفرقة بمعلومات وتقارير عنه ومطلوب منها مراقبته، وحينها يقرر فيكتور أن يهرب رفقة زولا إلى باريس،  لكن الأخيرة لا تلتحق به هو الذي ينتظرها ساعات طويلة على الحدود الفاصلة بين برلين الشرقية والغربية ولم يكن الجدار قد قام بعد. يمسي فيكتور عازف بيانو مع فرقة جاز تعزف في إحدى حانات باريس، وتواصل زولا نجاحاتها في الفرقة التي هجرها حبيبها، وهنا يمسي لقاءهما حكاية الحكايات، يلاحقان بعضهما البعض من مدينة إلى أخرى، لا المنفى يتسع لحبهما ولا الوطن.

مصائر فيكتور وزولا لا تتأتى من مواقف سياسية أو معارضة أبداً، فهما غير معنيين يذلك، فكل سعيهما ماثل بأن يكونا عاشقين، يمارسان الحب، يغصبان من بعضهما البعض، يهجران بعضهما ثم يعودان، والمأساوي في ذلك آت من اصراراهما على ممارسة كل ذلك ببراعة العشاق وطيشهما، بالشغف والشبق والهيام، ولكل ذلك أن يكون طبييعاً ومضيئاً ربما لولا أنهما في ظروف سياسية مغايرة لا حرب باردة فيها، فحين يقرر فيكتور العودة إلى وارسو تصل ذروتها، وما قراره إلا اتباعاً لقلبه فقط غير آبه بالمخاطر ولا ما ينتظره هناك.

سرد كل ما سبق عبر الصورة، سيكون ذو أثر دامغ، ولا أعرف ماذا سيكون عليه الفيلم لو كان ملوناً وليس بالأبيض والأسود، ولا أعرف إن كان ذلك سيأخذ من وقع الأغاني، والعمق الزماني الذي يحيلنا إلى ماض – خمسينيات وستينيات القرن الماضي – وفي الوقت ذاته وحين استعيد الفيلم الآن أعجز عن تلوينه، ولعل اللون في هذا المقام سيكون مؤذياً للأسى الشفيف الذي اعتراني وأنا أشاهد الفيلم، وربما هذا هو حال فيلم بافيلكوسكي "آيدا" (أوسكار أفضل فيلم غير ناطق بالانجليزية 2013) الذي كان بالأبيض والاسود أيضاً ويتعقب آثار الحرب العالمية الثانية في سيتينات القرن الماضي. 

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب