النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام | نوّار جبور

العدد 182 | 8 تشرين2 2015

تؤرخ كارين آرمسترونغ في كتابها "النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام"، نشأة الصراع الذي تراه أزلياً، بين العقل والأسطورة، اللوغوس والأسطورة، في محاولة جادة لتتبع التاريخ حينما يكون تنازعاً قصياً بين الدين والسياسة، أو العلمانية والجماعات اللاهوتية المتشددة، ذلك من  قلب الجماعات المؤثرة والفاعلة في التاريخ بدءاً من القرن الخامس عشر ميلادي حتى نهايات القرن العشرين.

تبدأ كارين بحثها منذ القرن الخامس عشر من كونه حسب رأيها قرن ظهور الدول الدينية المتصارعة بشكل إيديولوجي تكون فيها ولادة الدول ولادة للنزعة الدينية المتشددة المغايرة للحكم المسيطر، أو الفاعلة فيه. أو بشكل مخالف حيث تكون ولادة هذه الدول ولادة للنزعات (العلمانية العقلانية) المتشددة، كالتي قادها رواد حركة التنوير في أوروبا. راصدة في عملها بشكل مباشر الإمبراطورية العثمانية السُنية المذهب والتأسيس، ومملكة فريدناند وايزيبلا المسيحية الكاثوليكية في اسبانيا ، والشتات اليهودي الأوروبي، إضافة للدولة الصفوية الشيعية في إيران. من هنا تبدأ كارين باستشفاف واقعي للأحداث، وترسم شكل الصراعات التي خيضت باسم وحدة الدين، والرد من الطوائف الهامشية أو المعنفة. وتدقق في محاولة الحكومات إنتاج تكاملية دينية إبان عصر التنوير، والردود التي غالت في أسطوريتها للدفاع عن الجماعة الطائفية في وجه تعنيف حكومي طائفي حديث، وتستنج معايير دفاعية للأسطوريين أي الدينين في وجه أي تعنيف خارجي : العودة إلى الينابيع والتمسك بها بوصفها تراثاً حقيقياً منزهاً آتٍ من الله مباشرة، البحث الدائم للجماعة الدينية المُعنفة في البداية عن ثلة من التأملات الصوفية الباطينة وذلك للابتعاد عن اللوغوس الواقع وتجنب المواجهة مع حلقات العنف المفتوحة، وثالثاً الإيمان بمخلص ما يُخلص المؤمنين من العنف ويضع الطريق والطريقة لقدوم المخلص الذي يختلف عند كل جماعة أصولية عن جماعة أخرى. وتشمل هذه المعايير حسب ارمسترونغ جميع الأصوليات الدينية التي تشكلت في العالم إضافة إلى نقطة جوهرية ترصدها دوماً في انتقال التسامي الصوفي من موقعه التأملي المُسالم الرحوم إلى الموقع العنيف الثأري، حيث تصبح الأصولية الدينية مأساة أخرى بعد نجاحها في حماية الأفراد في السلم.

وتتحدث كارين مع تقدم فصول الكتاب عن الحداثة بوصفها نتيجة التطور الذي لا مفر منه في عالمنا ، ومواجهة الحداثة حتى يومنا هذا للأسطورة الدينية بشكل عام، مستعرضة مفاهيم الأصولية الدينية منذ عصر المكننة والاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي، والاعتراضات الدينية للأديان السماوية على تدخلية العلم في كل جوانب الحياة، وتُلقي لوماً كبيراً على أوروبا الإمبريالية وتدخلها الصفري في محاولة نقل الحداثة إلى المجتمعات الشرق أوسطية، إضافة لدراسة جيدة لنهضوي الشرق الأوسط العربي خاصة، وأدواتهم الغير متكاملة في محاولة زرع طرق الحداثة وتقنياتها في المجتمع العربي.

 تبحث كارين عموماً  في العصور الحديثة عن روسخ آليات الصراع بين العلمانيين والدينين ، فالأصولية اليهودية تُريد تأسيس منطقة يهودية حسب الشريعة التوراتية لقدوم المُخلص (يسوع)، والنزعة الإسلامية تُريد تأسيس مجتمع على منوال الينبوع الأول للعصر الإسلامي إبان حياة النبي، والمسيحية في أوروبا خسرت أمام علمانية الدول وتشريعاتها الواقعية، وذات الأمر في الولايات المتحدة الامريكية ، إلا أن التيار الأصولي المسيحي حسب كارين ودراستها مازال قوياً وحديثاً وقادراً على مستوى التنظيم على مهاجمة الحياة الحكومية العلمانية وتجاهد في سبيل قضايا الإجهاض، وتفسير الدارونية حسب الأسطورة المسيحية، وتحارب زواج المثليين والعلاقات "غير الشرعية "بين الذكور والإناث. 

وتعرج كارين أيضاً على دور العنف الحكومي في البلدان العربية وتأثيره في تشكيل نزعة دينية أصولية في وجه حُكام يحسبون في قيادتهم لبلدانهم على أنهم علمانيون ماديون يؤمنون باللوغوس ويحاربون رحمة الأسطورة الدينية. وتكون كارين مُنصفة حينما تشجب حداثة العرب الحكومية وتراه شيئاً وهمياً، وبدورها ترفض أي عُنف بخلفية دينية لا بل تراه معيباً ومخالفاً للإسلام من كونه دين رحمة بمصادرة على كُل حجة دينية عُنفية.

قراءة كتاب ارمسترونغ واجب في أيامنا هذه لفهم تكيفات العالم الحديث وقضاياه التفصيلية والمثيرة، وفهم الدرس التاريخي الذي طرحته الحداثة والديمقراطية والعلمانية على المجتمعات الدينية، والتي تخلو حياتها اليومية من درجات عقلنة واسعة ومسيطرة. وفي الكتاب متعة في تتبع صراع الله مع العلم في أوروبا، ودور الشخصيات الغربية التي تتدعي شخصية المُخلص كشبتاي اليهودي الذي جعل يهود الأرض كُلهم يبيعون أملاكهم ويتبعونه لأنه سيأخذ من الحاكم العثماني حُكمه وتسود اليهودية ويأتي المسيح المُخلص لأن شبتاي هيأ له الأرض، وما أن وصل للحاكم العثماني حتى أعلن إسلامه..! ، أو حتى فهم النزعة الدينية الصوفية في إيران وتحولات المجتمع الديني نحو نزعات دينية مختلفة، وأخيراً فهم حركة الحداثة ومشكلاتها عموماً مع سلوكيات التراث الديني في كل أنحاء الأرض. 

______________________________________

عنوان الكتاب: النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام

تأليف: كارين ارمسترونغ

ترجمة: محمد الجورا

إصدار: دار الكلمة – دمشق 2005

معلومات الكتاب