الطبل الصفيح..لأوسكار أن يكسر الشاشة بصوته | زياد عبدالله

العدد 172 | 4 أيار 2015

يترك للفن أن يقرع الطبول، أن يصاحب الجوقات العسكرية والحزبية، فيخترق «المارشات» ويحولها إلى «بحيرة البجع» أو موسيقى صالحة للرقص، أو أن يكون لقرع تلك الطبول دلالات بلاغية، كما لو أن الفن موسيقى تصويرية مصاحبة للأحداث المفصلية في تاريخ الشعوب، أو موسيقى سابقة لها تنبأ بما هو قادم، وكل ما هو على الأرض يقود إلى الكارثة، ولا أحد يستشعر ذلك، وصولاً إلى تورط الجميع في إنجاح تلك الكارثة.

للكلام تكملة مترامية، تتخذ من فيلم The Tin Drum «الطبل الصفيح» 1979 للمخرج الألماني فولكر شولندروف معبراً إليه، والذي لا يعيدنا إليه فقط كونه حاصد السعفة الذهبية في «كان»، واوسكار أفضل فيلم أجنبي في حينها، بل إعادة قراءة الفيلم الذي يستحق قراءات كثيرة في سياقات تاريخية على اتصال بالثابت والمتغير في التاريخ الإنساني، الأمر الذي يمتد ليصل غونتر غراس صاحب الرواية المأخوذ عنها الفيلم، وعليه فإن تتبع ذلك سيكون مبنياً على تقليب صفحات الرواية الشهيرة والمفصلية في تاريخ الأدب العالمي جنباً إلى جنب مع الفيلم الذي لا يقل شهرة عن العمل الأدبي، وكل ذلك ضمن السياقات التاريخية سابقة الذكر.

تشكل المعالجة السينمائية لعمل أدبي هوساً حقيقياً بالنسبة لي، وهذا التنبيه الأولي ضروري حين يتعلق الأمر بالمضي قدماً مع صفحات رواية مترامية لنجدها على الشاشة في مدة لا تتجاوز الـ120 دقيقة، أو قد تتجاوزها بقليل، كما هي الحال مع «الطبل الصفيح» ذات الـ688 صفحة في ترجمتها العربية التي انجزها المترجم العراقي حسين الموزاني، وصدرت عن دار الجمل، عام ،2000 أي بعد سنة على نيل غراس جائزة نوبل للآداب، ولعل فعل القراءة سينمائياً سيكون أولاً وأخيراً فعلاً بصرياً، وليس لعدد الصفحات أن يكون على اتصال بمدة الزمن، وحين قراءة الرواية يمكن وضع اليد على المعابر البصرية التي يجترحها العمل الأدبي، والتي ستشكل مفاتيح معالجته سينمائياً، ومع روايتنا «الطبل الصفيح» يمكن البدء مع الراوي أوسكار، بطل الرواية وراويها، والذي سنقع عليه في مصح عقلي وهو يسعى لكتابة سيرة حياته، وبالتالي سيرة عائلته وكل من حوله في «دانسنغ» الألمانية البولندية، وليكون هذا السرد معبراً لتقديم سرد تاريخي لن ينفصل عنه، وهو يمضي إلى جانبه يداً بيد، ووفق منطق أوسكار نفسه، وهنا سأصنع شيئاً أتمنى أن يكون ناجحاً، ألا وهو استعادة الرواية بعيداً عن الفيلم، وعلى شكل تداعٍ حر تطغى عليه المشهدية، وبمعنى الخروج من الكتاب بما يمكن أن يلتصق في الذهن بصرياً، وبالتالي تتبع ما يمكن توقع أن يحمله فيلم شولندروف، وما يستبعده في الوقت نفسه.

أوسكار شخصية روائية لكنها سينمائية بامتياز، وهنا أول مفتاح لنجاح المعالجة السينمائية، فهو فتى توقف نموه في الثالثة من عمره، وبقي يتقدم في العمر، وجسده على ما هو عليه حين كان في الثالثة، ولعل هذا العمر مفصلي في حياته، فحين بلغ الثالثة أهدته أمه طبل الصفيح، وفي ذلك العمر وقع في القبو بين مرطبانات مربى التوت وتوقف نموه، واكتشف مع الوقت أن صراخه كفيل بكسر النوافذ والأواني وكل ما هو زجاجي. هذه الشخصية وتجسيدها كما هي أمر مطالب به الفيلم، ومع تتبع سرد أوسكار فإنه سيبدأ ذلك من مرحلة بعيدة، تحديداً عام 1899 قبل ولادته، وسلالته التي بدأت مع جدته آنا ذات الأثواب الأربعة، التي سيختبئ بها جده بينما هو مطارد من الشرطة، الجد الذي يكون مشعل حرائق، وحين يلجأ إلى آنا فإنه يتزوجها، وحينها تأتي أم أوسكار أغنيس إلى الوجود، والتي تقع في غرام يان ابن خالتها ولتتزوج من ماتسرات، لكن سيقول أوسكار إنه لا يعرف أياً منهما يكون والده، مع ميله إلى اعتبار يان الذي سيعمل سكرتيراً في البريد البولندي، بينما يدير ماتسرات والد أوسكار الشرعي الدكان الذي يملكه، مواصلاً طبخه وهو البارع في الطبخ.

ذلك هو الإطار العام للشخصيات الرئيسة، ونحن نتجاهل هنا ما يقارب خمس شخصيات رئيسة أخرى، وبعيدا عن ما سيصنعه أوسكار بطبله وصراخه، ومن ثم انضمامه إلى فرقة الأقزام، يمكن تمرير تلك اللقطات أو المشاهد التي يحملها الكتاب والتي تمثل مصائر الشخصيات الرئيسة، فأغنس أم أوسكار ستموت بطريقة عجيبة، فبعد رحلة إلى البحر برفقة أوسكار ويان وماتسرات سيخرج صياد من البحر رأس حصان سيكون مملوءاً بسمك «الحنكليس» الذي سيأخذه ماتسرات ويصنع منه الطعام، وحينها ستمضي أغنس في أكل ذلك السمك ومواصلة أكل السمك لأيام حتى تموت، وهي تعاني نوبات تأنيب ضمير مشوبة بمشاعر تدين وتوبة، بينما سيأخذ أوسكار يان إلى مكتب البريد لإصلاح طبله المثقوب، وهناك سنشهد بداية الحرب العالمية الثانية، وسيتورط يان مع زملائه المدافعين عن مبنى البريد، وليعدم بعد اقتحام النازيين، هو المسالم الذي لم يقبل في اختبارات الجيش، بينما يكون مصير ماتسرات على يد السوفييت وهم يدخلون ألمانيا، حين يعطيه أوسكار شعار النازية الذي يكون ماتسرات قد تخلص منه قبل دقيقة من اقتحام السوفييت بيته، وحين يضعه أوسكار في يديه يقوم ماتسرات بابتلاعه، ويختنق بشعار حزبه، حسب تعبير أوسكار، ويطلق عليه الجندي الروسي النار.

ما تقدم عبور سريع لما يتبادر إلى الذهن، وعليه في الوقت نفسه أن يطفو على سطح الشاشة، الأمر الذي لن يكون هناك من محيد عنه، ومع تأكيد ذلك يمسي دخول الفيلم فعلاً على شيء من عبور ضفة القلم إلى ضفة الكاميرا، ولنكون حيال فيلم له أن يكون نموذجياً للتعامل مع عمل أدبي كبير وعميق، لا بل إن البحث عن توصيفات للرواية سيضعنا أمام كل ما يلي، أي ان الرواية فانتازية وتاريخية، لا بل ساخرة ومؤلمة وسريالية وواقعية وتوثيقية، وصولاً إلى اعتبارها تجديفية و«بورنوغرافية»، والمجاز حمّال دلالات تاريخية فاقعة، وفعل التطبيل ليس إلى فعل احتجاج أوسكار أمام ما يشهده، وهو يتوقف عن التطبيل في الفيلم مع سقوط النازية، لا بل إنه يواصل النمو مع سقوطها أيضاً، وإن كان الأمر لا يتعدى بضعة سنتيمترات، ومع اجتماع كل هذه الصفات في عمل واحد، سنكون أمام فيلم له أن يحمل كل تلك الصفات أيضاً، ولعل الحلول البصرية التي حملها العمل الأدبي ستكون جميعها حاضرة بقوة، بدءاً من ديفيد بنت الذي جسّد شخصية أوسكار، مروراً بكل شخصية، وصولاً إلى السرد السينمائي الذي يمضي في عوالم مصاغة في وفاء تام لروح العمل الفني، وبالتالي فإن الفيلم أيضاً هو أهم فيلم عن ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما وصفت الرواية.

 

إن الأفق الملحمي للفيلم مثله مثل ألبوم الصور الذي يوصف كذلك في الرواية، بحيث يمكن للكتاب أن يتحول إلى ألبوم صور وهو طيع لذلك، وحين تتحرك هذه الصور في الفضاء السينمائي الذي صاغه شولندروف، فإنه يضعنا مباشرة في جماليات بصرية خاصة، يبدأ التطبيل والصراخ فيه مع مجيء هتلر ويتوقف مع موته، هتلر الأشبه بـ«كاليغاري» في فيلم «مقصورة الدكتور كاليغاري» الذي نوّم الشعب الألماني كما فعل بسيزار.

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

مقالات أخرى للكاتب