"الجانب الآخر من الأمل".. كوريسماكي السوري | زياد عبدالله

العدد 218 | 5 أيلول 2017

أن أشاهد فيلماً لآكي كوريسماكي (1957) فهذا فعل بهيج وقبل أن أقع على لقطة من لقطاته، ذلك أنني كائن مسكون بكل أفلامه، كما أن أي جديد له يعني بأنه ما عاد يجلس في الحمام فقط، في استعادة لما قاله في لقاء معه عام 2003: "كنت أجلس في الحمام وتأتي إلي الأفكار، لكنني لم أعد شاباً، وأنا الآن أجلس في الحمام فقط"، طبعا حين قرأت هذا التصريح لم يكن قد وصل الستين بعد، وقلت بيني وبين نفسي: ما بالك! لست عجوزاً بعد! ثم إنك في أفلامك تقود الزمن كما تشاء، وتعيدنا إلى الستينات ولو كنت في الألفية الرابعة! ولم يخب ظني وخرج علينا في عام 2011 بفيلمه "لا أفر"، وبدا تصريحه شعوراً عابراً ربما.

ما زالت الأفكار تتوارد إلى ذهن السيد كوريسماكي، لكن محرضها الأساس هم المهاجرون إلى أوروبا، ففي "لا أفر" حيث مارسيل ماركس البوهيمي العظيم قرر أن يسكن في بلدة "لا أفر" الفرنسية ويعمل ماسح أحذية يجمع القليل من المال ويحمل الكثير من الحب لزوجته التي سرعان ما يصيبها مرض يدفعه لأن يزورها يومياً في المستشفى وفي يده باقة ورود، بينما يسعى وكل من حوله إلى إنقاذ طفل إفريقي من الاعتقال لكونه مهاجراً غير شرعي والنجاح في نقله إلى بريطانيا حيث تتواجد أمه، وعبر وسائل لها أن تقول مازال العالم كما في الستينات وأخلاقيات مارسيل ماركس ما زالت قابلة للتطبيق، حيث لا مكان للجشع والعنصرية، والمال لا يعني شيئاً أبداً.

لعنة الهجرة واللجوء ستحضر مجدداً في سينما كوريسمامي مقدّماً "الجانب الآخر من الأمل" The Other Side of Hope، لكن هذه المرة سيكون كوريسماكي سورياً، وسيضع اللاجئ السوري جنباً إلى جنب مع شخصياته البوهيمية الخارجة من الستينيات، إذ يستدعي كما دأب راهنية الموضوع الذي يقدمه إلى زمنه الذي أوقف عنده كل شيء، حين كانت أغاني جيمي هندريكس تخرج من صندوق الموسيقا في مطعم، ولتكون البوهيمية تمضي جنباً إلى جنب مع قصة لجوء الشاب السوري خالد (شروان حاجي) إلى فنلندا، مع إقدام ويكستروم ( ساكاري كوسمنن) البائع الجوال على تنفيذ قراره بتصفية أعماله، ولعب البوكر بما يمكنّه من شراء مطعم. يصل خالد الميناء وقد اختبأ في شحنة فحم، بينما ينجح ويكستروم في خطته ويشتري مطعماً بموظفيه الثلاثة.

لن أدخل في تفاصيل قصة الفيلم، إلا أنه يضيء حيثيات اللجوء وتفاصيلة، وقصة خالد بدءاً من هروبه مع أخته مريم من حلب، ومن ثم فقدانه لها في رحلة لجوئه، وليكون التقاء خطه الدرامي بخط ويكستروم خلاصاً لخالد، كون لاعب البوكر الذي أمسى صاحب مطعم والعاملين معه يشكّلون القيم الأوروبية المتصلة بالحرية والبوهيمية والانفتاح على الآخر، ولهم أن يوفروا كل ما يحتاجه خالد ليبقى في فنلندا وصولاً إلى عثورهم على أخته مريم، إلا أنهم يعيشون في زمن آخر، وفي الشوارع هناك عنصريون ومناهضون للاجئين يتربصون بخالد.

يؤكد فيلم كوريسماكي على الأمل أو جانب آخر منه، معتمداً على كائنات كوريسماكية تستعيد زمناً مضى لكن دون تغييب الواقع، فخارج مطعم ويكستروم الأمل ضعيف وهناك جانب مظلم منه، وكل ذلك في النهاية طوع أصالة المخرج الفنلندي وجماليات عوالمه.

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)، "ديناميت" (رواية، دار المدى 2012)، "بر دبي" (رواية، دا...

مقالات أخرى للكاتب