أن تعلق في يوم أحد مع عبدالله ناصر | زياد عبدالله

العدد 258 | 17 تموز 2020

 

البيوت متشابهة، إن عدت ليلاً قد لا تميز واحداً عن الآخر، وقد تدخل بيت جارك على أنه بيتك، وتستيقظ صباحاً وكل شيء طبيعي وقد نمت بجوار زوجته، لكن انتبه إن الساعات تراقبنا، وما البطء والتدفق في الزمن إلا ضرب من الأوهام، إذ "لا شأن لكوارثك بثقل الزمن، ولا علاقة بالطبع لأفراحك بجريانه" إنها ساعة دالي، وقد تعطل الزمن، وبالإمكان الحديث عن راوٍ علق في يوم واحد فقط، فعلق معه القارئ ببهجة ودهشة وهو لا يريد لليوم أن ينقضي! ولا أن يكون بالضرورة يوم أحد!

أتعقب فيما تقدّم قصص عبدالله ناصر في جديده "العالق في يوم أحد" (دار التنوير 2019)، ويبدو الأمر ملاحقة لمفردة تندلع منها الحكاية، يجري تحريفها – إن صحت الكلمة – لويها، وأخذها في مسارات وانعطافات، بحيث لا يحتاج فقط الوصول إلى النهاية إلى "تويست"، بل يكون ذلك متوزعاً على سائر القصة المكثفة والوجيزة دائماً، كما لو أن كل مقطع يستدعي هذه "التويست"، فقصة بعنوان "المسيح" تحكي لنا عن صدور أمر بإعدام الأمل، وبالتالي مطاردته وتنفيذ الحكم، وانتظار عودته كما هي عودة المسيح، لكننا في النهاية سنتبين ما الذي ستكون عليه حياة البشر من دون أمل، وكيف له أن يتحول إلى وسواس خنّاس، يُلعن كما الشيطان. وحين يرد عنوان "ضع الرأس أولاً" يمسي الرأس كائناً مستقلاً عن حامله، فحين يخرج إلى عمله فإنه قد ينساه، فيعود إلى بيته، فالقوانين تمنع السير بلا رأس في الشارع، إلى أن يتوصل ناصر إلى أن على الرأس أن يكون في مكانه الصحيح، أما اتجاهه فليس مهماً، "يجب أن يكون هناك رأس، أي رأس."

تتيح الآلية السردية المهيمنة على قصص "العالق في يوم أحد" أن تكون قصصاً توالدية، ومجازية غالباً، لا تدع للقارئ أن يستسلم للاعتقاد إنها مجردة أو عبثية إذ إنه سرعان ما سيكتشف بطلان ذلك، وخاصة أن الطرافة والمفارقة صنوا السرد الممتع لا تفارقان القصص، وأحياناً لا يتطلب الأمر سوى عبارة ختامية واحدة ليكون الأثر ارتدادياً على سائر القصة من حيث استيفائه شحنة شعورية متروكة للعبارة الأخيرة، ففي قصة "سعال"، يطالعنا جد لا يكف عن السعال، بحيث تتفاقم الحالة، ويمسي السعال أداة طمأنينة، سواء على صعيد طرد اللصوص أو الذئاب عن القطعان لدرجة يطلب تاجر من الجد أن يتولى حراسة مخازنه بسعاله، وغير ذلك مما هو توالدي جراء سعال الجد العجيب، وصولاً إلى إقدام ابنه على حبسه في القبو بعد أن عضّ طفلاً أصابه بداء الكلب، ولتنتهي القصة بـ "رغم مضي ثلاث سنوات على رحيله، كلما سعل أحدنا، أجهش أبي بالبكاء."   

يستكمل عبدالله ناصر في "عالق في يوم أحد" ما بدأه في "فن التخلي" (دار التنوير 2016)، بحيث كان تسيد القصة القصيرة جداً تاماً، ونحن نتكلم عن قصص المقطع الواحد أو الصفحة الواحدة، لا بل السطر الواحد كما في "أحزان ثقيلة" حيث سائر القصة هي "تلك الحدبة على ظهره هي كل ما تبقّى له من الجبل". في "عالق في يوم واحد" كل قصة صفحة ونصف ما عدا "الخوارزمي"، إلا أنها قصص ناجحة تماماً لتدفع القارئ إلى التماهي مع القط في قصة "تحولات" الذي يمضي يومه بالكامل على الأريكة البيضاء وهو يحاول أن يتذكر متى تحول إلى مجاز! نعم! وبما يدفع للتساؤل: متى تحولت هذه القصص إلى مجازات؟

 

****

خاص يأوكسجين

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

معلومات الكتاب
اسم الكتاب: العالق في يوم أحد
مؤلف الكتاب: عبدالله ناصر
عدد الصفحات: 110
الإصدار: دار التنوير - 2019

مقالات أخرى للكاتب