"آخر أيام المدينة".. الصلاة وكرة القدم كل ما تبقى لنا | زياد عبدالله

العدد 209 | 4 نيسان 2017

الكادر ضيق في الغالب، الصورة ضاغطة، أحياناً تكتشف أن أنفاسك تتسارع رغم الإيقاع البطيء للفيلم، وهذا لن يتغير مع اللقطات الواسعة أو البانورامية التي ستكون مشرعة على ما هو مشوّه ومبتور، وإن كان من بشر فهناك رجل يقوم بضرب زوجته، يجرجرها على أرضية سطح بناية، والسؤال الذي يحرضه هذا المشهد: ما الفائدة من تصوير ذلك؟

على هذا النحو أمضي في تتبع فيلم "آخر أيام المدينة" للمخرج المصري تامر السعيد (أولى تجاربه الإخراجية)، لدرجة كنت أفكر فيها أن "الكلوز أب" يخفي ما خلفه، وليس لأننا أمام شخصية رئيسة في سرد الفيلم، لا بل كنت أبحث عن ما تخفيه هذه الشخصية أو تلك من خراب المدينة، رغم أن الخراب في أعماق الشخصية آت من القاهرة، وما يقوله الفيلم واضح وصارخ بدءاً من عنوانه، لا بل يتعدى ذلك ليقول: إنها آخر أيام المدن العربية، طالما أن بغداد وبيروت ستتداعى إلى القاهرة.

المخرج والقاهرة، وبعبارة أخرى  القاهرة في عيون المخرج، ونحن نتعقب خالد (خالد عبدالله) شخصية الفيلم الرئيسة، وهو يسعى إلى إنجاز فيلم تسجيلي عن القاهرة، وليتداخل التسجيلي بالروائي، ولا شيء يفصل بينهما، متداخلان سواء على صعيد المشاهد واللقطات، أو حتى الشخصيات المحيطة بخالد والإطار الذي تقدّم به، عبر تسجيلات تظهر على شاشة كومبيوتر خالد أو أثناء مونتاجها، ولنكون حيال امرأة فقدت والدها في حريق مسرح بني سويف وهو يخرج عليها في المنام طالباً منها أن تزرع نبتة صبار، أو تلك المرأة التي يسألها خالد عن بيتها في الاسكندرية وهي لا تريد أن تعيش الحنين بل الحاضر والمستقبل، وهذا يتكرر، يظهر ويغيب، إلى أن نقع على هدم بيت في الاسكندرية، وخالد يعيش مدينته والأخبار حاضرة على الدوام عبر الراديو، والأجواء متوترة مضغوطة بنذر إنفجار قريب، إنه عام 2009 في القاهرة.

على صعيد بنية شخصية خالد فهو مخرج من دون فيلم بل نثرات وشظايا فيلم، أمه مريضة في مستشفى، يفتش عن بيت جديد لينتقل إليه، كما أنه خارج من قصة حب وحبيبته تستعد للسفر ومفارقة القاهرة، وهو غير معني بأن يقاسمنا المعتمل في داخله، إذ إن عينيه وإيقاع الفيلم وأجواءه تتولى عنه ذلك، فهو صامت في الغالب، مختبئ خلف الكاميرا، شاهد تتكلم عيناه، والقاهرة من حوله تتبدل دراماتيكياً، إذ يكفي التقاط مشهد والبناء عليه لنعاين تبدلاتها، كما هي المانيكانات التي يراها ليلاً عارية في إحدى المحال، ومن ثم نراها محجبة ومنقبة، وصولاً إلى الاعتصامات، المظاهرات، الإخوان المسلمين، حركة كفاية،  الانتشار الأمني، القمع، الصلاة، خطبة الجمعة، دعاء السفر الذي يرافق صعود مصعد، الملصقات الدينية الوعظية، الفرح الذي يعمّ القاهرة مع فوز الفريق المصري على الجزائري، وكل ذلك نشهده في "وسط البلد" النطاق الذي يتحرك فيه خالد، إنه المجال الحيوي للفيلم ليلتقط ويوثّق.

هذا المجال الحيوي سرعان ما يتوسع ليستدعي الامتداد العربي من خلال أصدقاء خالد (عراقيان ولبناني) ولهؤلاء الأصدقاء أن يوسعوا من غربة الإنسان العربي عموماً في مدينته والمثقف تحديداً الذي يصنع مسارات موازية خاصة به لا تتقاطع والمسار العام السائد، المصرّ على توسيع الهاوية، وليكون شاهداً لا يمتلك سوى الرثاء ربما وهو يرى كل ما حوله يزداد فداحة، وهكذا فإن أحد العراقيين لاجئ في برلين، بينما الثاني مصرّ على البقاء في بغداده، كذلك هي بيروت بالنسبة للصديق اللبناني، وليتفقوا على تبادل تصوير مدنهم.

لا شيء سيتغير في حياة خالد، لا شيء سيتحقق، لن يعثر على بيت جديد، ولن تعود حبيبته إليه، لن ينجز فيلمه، وأمه على حالها في المستشفى، وفي النهاية لا شيء في المدينة سوى السعار الديني وكرة القدم والقمع، بينما تستعيد بيروت ذاكرتها المأهولة بالحرب الأهلية، وبغداد على وتيرة الموت والتفجيرات تعيش أيامها أيضاً، والفيلم يوثق الخراب من دون رثاء من دون تفجع ومن دون أن يصل "ثورة يناير" وقد أضاء كل منابعها ومبراراتها.

*****

خاص بأوكسجين

 

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)، "ديناميت" (رواية، دار المدى 2012)، "بر دبي" (رواية، دا...

مقالات أخرى للكاتب