متى تأتي الحافلة؟ | توفيق بن حنيش

العدد 249 | 14 تشرين2 2019

كنت واقفا على الرصيف أمام الجحيم أنتظر الحافلة التي ستقلّني إلى أدنى الجنان. بلغني البارحة وأنا في مبنى إدارة الجحيم أنّني استوفيت عقوبتي. حاولت أن أدافع عن نفسي فانتقمت منّي أعضائي شرّ انتقام: نطق لساني بما لم أقله في الدّنيا ونسب إليّ كذبا وتزويرا ونميمة لا أتذكّر أنّي اقترفتها. وما إن سكت هو حتى انطلقت يداي ورجلاي وعيناي وأصابعي وأظافري التي قلّمتها والتي ماتت معي وشعري الذي حلقته والذي دفن معي فأنطقها الله فشهدت عليّ بذنوب لو القيت على جبل لرأيته متصدّعا من ثقل الحمل. حاولت ضمّ شفتيّ وإغلاق فمي فتكلّم أنفي ووشى بما شممته من ريح الإناث المتبرجات. وفي النهاية قرر الملك أن يجدع أنفي ويقطع لساني ويحرق شفتيّ ويخصيني ويقطّعني من خلاف وأمر برجمي حتى الموت واقترح شدّ جثتي إلى أربعة جمال أو خيول تذهب بما تبقى من جسدي ممزقا إلى غير هدف.

في الجحيم النّاري عاد إليّ أنفي فشممت رائحة اللحم المشوي. وعاد إليّ سمعي فسمعت حسيس النار وفرقعة العظام. وعادت إلى أجزائي ولكنّها عادت خرساء لا تتكلّم عمياء لا تبصر تعاني في صمت وتصبر.

وفي الجحيم الثلجي, وضعوني في ثلاجة كبيرة تتسع لألف رجل مثلي. فوجدت فيها بعضا من طعام الملائكة وقد تركوه منذ انقطعت فيهم الحاجة إلى الأكل. كان في الثلاجة الجهنمية كثير من الحليب و"الأيس كريم" والزّباديّ والجبن وكلّ ما يصنع أهل الدّنيا من مشتقّات الحليب. فتشاغلت بالأكل والتذوق ونسيت البرد. ولم أكن أعلم أنّ الثلاجة العملاقة مراقبة ب"الكاميرات" ولم أتفطّن إلى أنّ الحارس على باب الجحيم كان يراقبني. وسرعان ما أمر بفتح المبرّد وإخراجي من ذلك المكاني "الفردوسي" المتآمر على شرف الجحيم. وسمعته يصيح بلغة حمير:"من وضع هذا الفاسد في هذا المكان؟ من طلب منكم إخراجه من الفرن؟" فأيقنت أنه سيعيدني إلى السّعير. ولكنّي لم أكن أعرف هل الرعدة التي تملّكتني كانت بسبب البرد القاتل أم بسبب الرعب من نيران الفرن؟

استلّتني يد طويلة لم أكن أستطيع رؤية صاحبها. ووضعتني أمام موظّف إدارة الجحيم. كنت مرميّا على الأرض المبلطة بأفخر أنواع الرخام الإيطالي واليونانيّ.  وعلى جدران المكتب الفاخر صور لرؤوس مقطوعة وأمعاء ممزقة وبقع من دم ولحم مفروم منثور. ورأيت بعض الجمل الحميرية مكتوبة بالخطّ الكوفيّ لم أفهم معناها.

وجعل الموظّف الجهنّمي يسألني: متى دخلت ثلاجة الصّقيع؟

لا أدري ربّما من يومين...
بأيّ حساب؟ بحساب الدّنيا أم الآخرة؟
لا أدري بالضبط... ربما بحساب أيّام الدّنيا.
أنت دنيء... لو كنت بشرا سويّا لاستعرت من المهل دموعا تبكي بها مصيرك وتستدر بها الغفران.

فبكيت في الحين. وبللت دموعي لحيتي. وجاء العفو من سقف الجحيم. وقال لي قيّم الجحيم:

أنت محظوظ. كثير من هذا الرقاع الحاملة للغفران كانت تحترق قبل وصولها. أمّا رقعتك فقد وصلت سالمة. هيا ... اذهب بسرعة واجمع أشياءك وجهّز حقائبك. فسنرسلك إلى الجنّة مباشرة. 

ثمّ مدّ يده يصافحني... وسألته عن المدة التي قضّيتها في السّعير. وبينت له أنّني كنت عاجزا عن العدّ وأنا أتميّز عذابا. فلم يجبني. قلت له:" لم أر في الجحيم ساعة تشبه ساعة هارون الرشيد. ولم يكن عندنا ما نقيس به الوقت. ففي أيّ سنة نحن؟ " لكنّه لم يردّ عليّ. وواصل ينشغل بالتحقق من وثيقة الغفران. وكان يدقق في أمر الهويّة... سألني مرّتين عن اسمي ومرتين عن رقم بطاقة هويتي ومرتين عن اسم أبي ومرتين عن اسم أمّي وعن جدي من الأب وجدي من الأمّ فكان التطابق التام بين وثيقة الغفران والبيانات المكتوبة في بطاقة الهويّة.

مدّ قيّم الجحيم يده المتفحّمة يصافحني فانفجر الدم من المسام الجلدية. لكنّه سرعان مع اعتذر وهو يقول سنرسل إلى مخابرنا بعضا من دمك لنتعرف أكثر على هويّتك الجينيّة." وواصل يقرأ جريدة وأنا جالس أما مكتبه المشتعل. غير أنّه وضع الصحيفة وأشار إليّ أن أذهب للجلوس على واحدة من ذلك الفحم البشري الملقى خارج المكتب. وعلل ذلك بأنّه سينشغل بغيري.

لا ضرورة لوصف المكان فهو في النهاية منشر يتخلّص فيه الجحيم من كلّ تلك الجثث التي تموت بالنار ويستحيل على المكلفين بإعادة إحيائها بثّ الروح فيها. وتترك تلك الفحمات على هامش الجحيم حتى يبت في أمرها خالقها. ولا فائدة ترجى من وصف تلك المومياء التي رغم موتها فهي لا تزال إلى تلك السّاعة من عمر الكون الأخروي تئنّ... لا فائدة من الاستغراق في ما سيلهيني عن المغادرة.

سألت أحد الزبانية وكان قد خرج للتوّ من غرفة التحقيق, سألته عن المدة التي قضّيتها في هذا المكان منتظرا إعداد الأوراق وتحليل الدّم. فقال لي بعد أن نظر إليّ مستغربا:" أين أعضاؤك؟" فقلت له :" هي معي ملتصقة بي وهي في أماكنها العادية وها أنا أكلمك بلساني وأراك بعينيّ. وها أنا أقف على قدميّ وأمدّ إليك يديّ. فتحسسني ثم قال لي :" بحساب حرارتك وضغط دمك وكمية الكرياتنين الذي في جسدك نستطيع أن نثبت أنّك قضيت في هذا المكان يوما وأربع ساعات بحساب تقويم الآخرة. يعني أنّك قد مرّ عليك قرابة الخمسين ألف سنة وسدس الخمسين ألف سنة. " ثم تركني ومضى وهو يعدّل ساعته اليدويّة.

"متى تأتي الحافلة؟" " ألم تأت الحافلة بعد؟" " يبدو أنّ الحافلة قد مرّت منذ ألفين من أيام الدنيا"... لم أجب عن أسئلة المغادرين للجحيم. ولكني كنت أشير عليهم بقراءة المنشور الحائطيّ ومقارنة ذلك بما تشير إليه الساعة العملاقة في المحطّة.

قبل خروجي من مكتب قيّم الجحيم, تفقدت أعضائي عضوا عضوا. لقد شكّكني في أمرها الأقرع الأعور صاحب قلم التحقيق. ولكن لا بأس لا بأس, لم تكن الخسارة جسيمة. لقد نزعوا ما بين فخذيّ. وتركوا لي مكانا أتبوّل منه. وضيقوا في منخريّ وسدّوا مسمعا من مسامعي وقصروا في يد من يديّ ورجلا من رجليّ. لا يهم فأنا أستطيع أن أسعد بما لديّ من البدن. ولذلك جمعت حقائبيّ وظللت أنتظر الإذن بالخروج.

حينما قرأ قيّم جهنم التحليل الجينيّ امتعض قليلا ثمّ ألقى بالورقة الملتهبة جانبا وقال لي:" الآن فهمنا سبب كفرك... هل تعرف شاعراً اسمه بشار؟ هل تعرف رجلا أعمى يكنى أبا العلاء؟ فيك بعض ما فيهما. ولسنا نعلم على وجه الدقة إن كان يجب رفع أمرك إلى خالقك؟ أم يجب إمضاء المغفرة فيك؟" وأطرق برهة من الزمن قد تقارب العشر من سني الدنيا. ثمّ نهض وأشار إلى باب الخروج.

في محطّة الحافلة كنّا عشرة أو نحو ذلك. جاءت حافلات أخرى متجهة إلى علّيين وإلى الحوض وإلى ملتقى الأنهار . ورفضت نقلنا.  قال لنا السوّاق وكانوا ناسا من ناس الدّنيا يأكلون ويشربون وينامون ولا يدخلون الجنة ولا النّار وهم يقضون الوقت كلّه في البرزخ, قالوا لنا إنّه لا يحقّ لنا الدخول إلى أعالي الجنة الضاربة في عنان السّماء, ولا يمكننا الدخول إلى التي تجري من تحتها الأنهار. وأعلمونا أنّ حافلة خاصة بنا ستصل لنقلنا إلى دهاليز الجنّة.

كنت محترقا بالكامل.لذلك أحسست بهواء البرزخ يخزني ويوجعني وكان ينفذ إلى عظامي فيعذّبني.

في الحافلة, أسمعوا الركاب أغان عربية وموسيقى مطربة. كنت أنظر إلى العرب الذين توفوا قبل القرن العشرين والفرس والروم والطجيك والبلوش والأمريكان وهم يتمايلون على ألحان زكريا أحمد ورياض السنباطي والقصبجي ومحمد عبد الوهاب تتغنى بها أمّ كلثوم. فسألت عربيّا مسلما من القرن الرابع عشر ميلاديّا :" لماذا لا اسمع الستّ. هل نطلب منهم تضخيم الصّوت؟" فقال لي:" لعلّك قد سمعتها في الدنيا؟؟؟" فأجبته أن نعم. فردّ عليّ:" من تمتع بذلك في الدنيا فلا تحقّ له موسيقاها وصوتها في الآخرة". وسقوهم في الحافلة خمورا وخمري يتحوّل ماء. و حينما حاولت أن أحتجّ فقدت صوتي وذهب منيّ النّفس.

كنّا , نحن الذين في الحافلة , نشترك في ما يبدو علينا من حروق نازفة وسواد السّخام والكسور وفي اعوجاج البنان وفي الأفواه الدّرداء والألسنة المنقصفة. ولكننا كنا نتبادل بعض حديث.

قال لي أحد الراكبين وكان أفضلنا حالا:" هل كنتم تأتون ما تنهون عنه؟ ما هي ذنوبكم؟" قلت له بنصف لسان تقلّص بفعل ريح البرزخ:" لم أترك معصية إلاّ ركبتها". فقل لي :" هذا واضح." ثمّ واصل يرتشف كأسه حتى شرب زجاجتين من خمر الحافلة التي في البرزخ.  ويبدو أنّه قد أُخِذَ بروعة الغناء فقام يرقص. قال لي صديقه المتفحّم بالكامل:" هذا غُلطَ به. لم تنتبه الملائكة إلى أنّه من أهل الجنة فوقع غلط في حساب موازينه. ولكنّ رحمة ربك وسعت كلّ شيء. فقد جاءهم التصويب من سابع سماء. وسفّر معنا إلى الجنّة.

قلت للمتفحم مثلي:"   كيف سنمتّع بالجنّة ونحن فحم ومهل؟ " فقال لي :" سيرقّع الزمان جلدك ويعدّل من اختلال بدنك وسترى من عجب ربّك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت."

وفجأة توقفت الحافلة... توقفت في الحين. كنّا نعتقد أنّ عطبا أصابها. وفتُحت الأبواب. فصعد رجال ملثمون يرفعون رايات سوداء كتبت عليها كتابات بعربية حمير . ضربونا بأعقاب البنادق. وأنزلوا من معنا من النسوة المحروقات بالكامل وكانت أجسادهنّ تقطر دما وقيحا.وفتشوهنّ. وكانت أيدي الرجال تخرج وهي تقطر صديدا.

قال لنا الرجال:" اتركوا الفاسقات ومروا". لكننا نزلنا من الحافلة وأبينا الركوب والرحيل من دون إماء الله. قال لنا زعيمهم:" الغزو في البرزخ سنّة فلا تعترضوا على حكم الله. ولم يطل النقاش حتى اشتغلت الأسلحة...طريق الجنة بعيد بعيد بعيد وأنا الآن أعود إلى الجحيم ماشيا بساق ونصف الساق ولساني تقوّر. وأُفرغ من الكلام. وسقطت مني يد وأنا أفرّ من الحفلة وسط الزحام... نسيت طريق جهنّم...كنت أعرج وفي يدي قارورة ماء تحولت فجأة خمرا معتقا والحرائق ورائي على طريق الجنّة.

  20 أكتوبر 2019

*****

خاص بأوكسجين

كاتب من تونس.

معلومات الصورة
الصورة من فيلم We the Animal